الضّيــــــــــــــاء

من عبادة الماضي ... إلى امتلاك ناصيته...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من عبادة الماضي ... إلى امتلاك ناصيته...

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الخميس سبتمبر 28, 2017 4:57 pm

من عبادة الماضي ... إلى امتلاك ناصيته...
متعب الهذال يبحث عن ذاته...
بلغني كما بلغ كثيرين خبر ظهور شيخ اردني ينظر للاعتزال، ويحيي فكره، ويردد أقواله... استبدّ بي إحساس غريب، كأن المشهد السياسي العربي اليوم يعتليه الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي وواصل بن عطاء الغزال وابو الحسن الاشعري والماتريدي...
أفزعني أيضا حال الأمة لا ترى مستقبلها إلا في نموذج ما من الماضي، وتهوى استقبال ما استدبرت من أمرها ومن فكرها، ونحن بين وهابية تسمعنا شطحات الحنابلة المجسمة، وبين شيعة يلوكون قرونا قوالب، يبكون بها حسينا وكربلاءه، ويمنوننا بمهدي مات في سرداب، وبين اعتزال نفد شاحنه منذ القرن الهجري الرابع...
هل صارت الأمة مخصية لا تنجب إلا بالوكالة؟
هل سلت أرحام امهاتنا فلا تنجبن رجالا أبدا؟
هل قدرنا ان لا نتدثر إلا بأكفان الموتى ؟
أسئلة لم تستوعب كل الوجع الذي يلفني من كل جانب، وأنا أتابع مشهدنا الثقافي والفكري والاعلامي كيف يبرع في الارتداد عن العصر، والتهرب من استحقاقاته المختلفة، هل في خريطتنا الجينية عصب يشدنا الى الماضي، ويشد الماضي الينا في تلازم لا ينقطع ابدا، خلافا لما هو عليه حال أمم الشّرق والغرب قاطبة...
كل الامم قرات موروثها، ونقدته وطورته، وواصلته، وأضافت إليه... إلا نحن ... كلما اظلمّت الدنيا في أعيننا واستبد بنا الغزو الاستعماري، وأحاطت بنا النّوازل، وهيمن علينا المسخ الثقافي، وتلاعبت بنا القوى الاقليمية والعالمية، وأحاط بنا النهبة المحليون والدوليون، ودمّرتنا البطالة، وجوّعنا التضخم المالي، وتسيبت بناتنا وزوجاتنا، وفجر أبناؤنا، وساء خلقنا... نلوذ بالماضي نبحث فيه عن عزاء وتسلية، كفاشل يعاقر الخمر أو يدخن الحشيش لينسى واقعه المر لساعات، ثم يفيق من جديد ليجد ان الحال هو الحال...
ما بال هذه الأمة لا ترى مستقبلها إلا في نموذج من الماضي حتى علمانيونا يقلدون ماضي الفكر الحداثي ويقتطعون منه كما يقتطع سلفيونا من ماضيهم...
يوجد فرق عظيم بين أن يكون لنا ماض نعتز به، ونستلهم منه، ونتعظ به، ونتعلم منهجه، ونعتبر باخطائه، ونتواصل مع طاقته الدّافقة، وبين أن نكون جزءا لا يتجزا من الماضي أو استمرارا حرفيا له...
ويوجد فرق عظيم أيضا بين ان نستوعب أطروحات الماضي، لنعرف فيم فكر اسلافنا، وكيف حلوا قضايا مجتمعهم وعصرهم، وبين أن نتخذ حلولهم المؤطرة بتاريخها وخصوصياته حلا لحاضرنا ولقضيانا...
ينبغي لنا مساءلة السلف عن إقامتهم الرمزية في عالمهم وفي عصرهم، هل وفقوا في فقه النص والواقع؟ فيم أخفقوا؟ متى تعسفوا على النص فحايدوه حيث تنبغي مساءلته؟ متى أنطقوه حيث لا ينطق ؟ متى خدموه؟ متى وظفوه في تدافعهم؟ ما المحفزات التي استنوها؟ ما العوائق التي ابتدعوها؟ ما هي لحظات الوعي في متونهم؟ ما هي حلقات الاستلاب التي تاهوا فيها؟ ما القضايا التي أجلوها وكان من الجدير مباشرتها؟ ما المشكلات التي افتعلوها حيث ينبغي تأجيلها؟ ما الأصيل الذي اخترعوه؟ ما الوافد الذي هذبوه ووطنوه؟ ما المحلي الذي أنسنوه؟...
هذه هي أسئلة المثاقفة والوعي التّارخي، والوعي في التاريخ، وتلحقها أسئلة أخرى تؤسسّ بدورها لمسارات الفعل والإبداع، فنسأل: كيف تتثاقف الذات المعاصرة مع هذه المقاربة النقدية تثاقف معتبر؟ كيف تحترم اجتهاد سلفها ؟ كيف تُثوّر ما فيه من ممكنات مغيّبة؟ كيف تثور على إخفاقاته؟ كيف تسري في روحه العقلانية، المتسامحة، المجتهدة، المبدعة؟ كيف تسجل حضورها في عصرها؟ كيف ترتّب أولوياتها؟ كيف تقدم الاسلام فسطاطا يستجير به المستضعف والمضطهد والمقموع والمهمش والمستلب والمستغلّ والتائق إلى التمدن؟ كيف نسهم في إثراء المشهد العالمي، وفي النبوة وعد بأن الخير مستمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ؟
رحم الله محمد عابد الجابري لما قال (هناك كائنات تراثية، وهناك كائنات لها تراث)، أمّا الاستجارة بالموتى فاغتراب مضاعف، ولنا في أبي حنيفة أسوة حسنة لمن تبصرة، لمّا سئل عن علمه باجتهادات التّابعين، فقالSadهم رجال ونحن رجال)، ومن لا يرى في ذاته علامات الرّجولة فليلتمس لنا عذرا، وليجتهد في أن يجعل لنا في عالم النّسيان موئلا ...
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى