الضّيــــــــــــــاء

هل كان محمد بيرم الخامس مجددا ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هل كان محمد بيرم الخامس مجددا ؟

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الجمعة سبتمبر 29, 2017 2:16 pm


قراءة نقديّة لـ"تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص"

           بقلم : عمر الهرهوري / باحث جامعي.

توطئة:

كان الشّعار الأكثر تداولا في أدبيات مصلحي القرن التاسع عشر للميلاد "التجديد" يستدل على هذا المطلب الإصلاحي من عناوين الكتب والمشاريع التي وصلتنا من تلك الفترة، حيث وصف خير الدين التونسي مشروعه بعبارة "أقوم المسالك"، فهو يعتبر أن المضمون الإصلاحي الوارد فيه "أقوم" إن لم يكن "الأقوم"، يحتفل فيه بجديد ثقافي وحضاري فاستدعى له صيغة التفضيل دون غيرها من الصيغ، لتكون خير إخبار عن مغايرة السائد والموروث.
كما وسم بن أبي الضياف مشروعه بـ"إتحاف"، وهل يستقيم وسم الهدايا بالحجر الكريم إن لم تكن ذات قيمة، وفي السياق الحضاري يكون التجديد أثمن ما يهدى، ومن قبل كان الطهطاوي "يخلص الإبريز"، بعد أن كان سابقوه أو حتى معاصروه يخلطون الذهب بما ليس منه، وهل كان محمد السنوسي يرحل ليأتينا بعد عناء السفر بقديم، كما سمى شيخ البيارمة كتابه "صفوة الاعتبار"، فهو "صفوة" وبه "اعتبار"...
هكذا كان التجديد المطلب الإصلاحي الرئيسي، لكن إلى أي مدى وفق كل مصلح في إتحافنا بجديد؟ وهل حقق المصلحون الرهان الإبستيمولوجي الذي كابدوا من أجله ويلات ومحنا؟ وما الجديد الذي يمثل انتظارا بالنسبة إلى عصرهم وإلى عصرنا، وبين زمن الكتابة وزمن القراءة بون بائن ؟


في معنى التجديد:

في المعيار التاريخي ننبه إلى خطر الوقوع في أحد مطبين، الإسقاط التاريخي1، ونعني به قراءة المجهود الإصلاحي من نقطة التطور الفكري والتاريخي والحضاري المعاصرة، أو قراءتها في حدود ما يتيحه عصر الكتابة من ممكن معرفي وحضاري. إن التحرر من هذه المغالطة التاريخية ـ بوجهيها ـ يتم بشرطين تعلّمناهما من د.محمد عابد الجابري في دعوته إلى جعل المقروء معاصرا لنفسه2، ثم معاصرا لنا3، بهذين الشرطين ستظهر لنا تعتعة القديم في النص الإصلاحي شكلا ومضمونا جلية، وستنكشف لنا المجالات البكر التي كان ينوي تدشينها، كما ستظهر لنا الدرجات التجديدية مرسومة بوضوح في سلم تقييم افتراضي ذي مصداقية.

نعني بالمؤشرات التقييمية الواضحة، ملاحقة المجهود التجديدي في جزئية معرفية داخل موضوع محدد، ولا قيمة لحصر الجديد في المجال المعرفي كالمقولات والنظريات، حيث لم يكن العمل الإصلاحي في القرن التاسع عشر قد نهج نهجا تخصصيا تجزيئيا، ولم تكن المعارف كالفلسفة واللسانيات والتاريخ والهندسة... قد استقامت دعامات مركزية في النهضة الحضارية.
لقد كان تجديد هذه العلوم مطلبا مؤجلا أمام استحقاقات سياسية واجتماعية ضرورية، لسلامة الأمة من مهالك تهدد وجودها، كما أن كل الكتب الإصلاحية في تلك الفترة كانت عامة، تهتم بمسائل دينية وفكرية وحضارية وتاريخية واجتماعية، وتعالجها معالجة إجمالية خالية من روح التخصص.
وعليه، فإن تقييم الجديد هكذا بإطلاق يرفض التحيّز والتحقيب والتبيئة، يجعل الباحث مجانبا للموضوعية في العمل التقييمي ذاته، وعليه ماذا نقصد بالتجديد عند النهضويين في القرن التاسع عشر عموما ؟
لا يخرج معنى التجديد عن احتمالات أربعة:
أ ـ التجديد: الاحتفال بالجديد، بدعة تبدع أو تبتدع، أو تنقل عن مبدع.
ب ـ التجديد: إصلاح القديم وإعادة صياغته في ضوء معارف جديدة وخبرات مكتسبة.
ج ـ التجديد: رفض القديم الذي استنه الأوائل، وعليه نمطوا ذوقهم ورؤيتهم للأشياء، والعودة للأصول لتصحيح المسار، وإخصاب التجربة، في سياق رؤية مغايرة، ومنهج مختلف يعتبر الأصول منطلق كل تجديد ومنتهاه.
د ـ التجديد: عمل توفيقي، أو تلفيقي، أو أية تسمية تفيد بناء الذات والثقافة والفكر والحضارة من "أجمل" ما كان، ومن "أجمل" ما يكون.

يبدو من موازنة منهجية أن الفرق كبير بين صوت حداثي ورد في أول تعريف، يعتبر التجديد كما يقول سليم دولة: " مأتميا جنائزيا، واحتفاليا تمشهديا "4، تعريف مكتنز بروح حداثية متمردة، لا ترى في اللحظة الحاضرة إلا أرضا تقف عليها اللحظة اللاحقة، روحا متوثبة تنشد جديدا، وبين بقية تعريفات ـ وإن اختلفت في جزئياتها ـ تبدو لمتأمل متقاربة، أو متداخلة في طور التعريف أو التطبيق، تعريفات تدين بالفضل لقديم ما، سيان أن يكون قديما يرمج عليه، أو يطوّر، أو يتواصل معه، أو ينتخب منه... فالتجديد في كل هذه الحالات يستجدي الشرعية الحضارية والتاريخية من قديم ما.

من الضروري أن نتعاقد قبل القراءة النّقديّة على تعريف للتجديد، لننتهي منه إلى رسم سلم درجات تقييمية، أو شبكة تقييم واضحة العناصر والمؤشرات، نزن بها التجديد والترديد في فكر مصلحي القرن التاسع عشر، فلقد فُهِم التجديد بهذه المعاني جميعا، وقد علمنا الدرس المنطقي أن لا مشاحة في الاصطلاح، فللناس أن يفسروا التجديد التفسير الذي ترتضيه نفوسهم، وتألفه نصوصهم، وتقبله مذهبياتهم، حسبنا أن نطلب منهم انسجاما مع ما تواضعوا عليه، وليس مع تواضعنا.

لا ريب أن كل تجديد مهما كان محتشما أو جزئيا، يشي برغبة في التحرر من قديم، تحررا جزئيا أو كاملا، والطريف أيضا أن هذا القديم المتوغل في التاريخ، والمتمدد في الجغرافيا، له وقاره وهيبته وصولته، رغم كل ما ينسب له من سوء، أو من ضعف، أو من هشاشة... فقد تحطمت على أسواره مشاريع، وهزمت أمام قوته جيوش، وتراجعت أمام تياره موجات عاتية، أو مدعية عتوا.

وكثيرة هي الأصوات الحداثية أو التجديدية التي مارست التقية، فهادنت القديم في قليل أو كثير من المجال أو الزمان، وقنعت بالمرحلية، رغم أن الصوت الحداثي صادي، يلتذ بقبر القديم، ويجد في فعل الإلغاء نشوة ومتعة وشبقية، إذا قلدنا بارط في بعض معجمه.


مجالات التجديد في تحفة الخواص:

"تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص"، رسالة فقهية موجزة، امتدت على سبع وعشرين صفحة، من منشورات بيت الحكمة ضمن بيبليوغرافية محمد بيرم الخامس، قسمها صاحبها، أو محققها إلى اثنين وخمسين فقرة مرقمة كالتالي 1 ،2 ،3 ... وليس لهذا الترقيم أية دلالة منهجية أو توثيقية، وتناول فيها محمد بيرم الخامس موضوع استخدام بندقة الرصاص في الصيد، وحكم ما صيد بها، وهل يعد الصيد بالبندقة مما ذكّي شرعا أم لا؟ وقد شاعت في عصره فتاوى، منها ما أباح أكل صيد البندقة، ومنها ما حرمه.

لم يكن اجتهاد بيرم الخامس أول اجتهاد فقهي في المسألة، ولم يكن أيضا أول من أفتى بإباحة صيد الرّصاص، والجديد الذي نتقصاه في نصه ذو طبيعة منهجية/أصولية، وليس من طبيعة معرفيّة، لقد تحرك محمد بيرم الخامس داخل المدونة الفقهية الإسلامية ـ الحنفية والمالكية أساساـ وبذات المعجم المتداول منذ عصر التدوين، ومع ذلك استطاع أن يطرح قضية أصولية، ترقى في نظرنا إلى مستوى صدمة ابستيمولوجية عنيفة للعقلية السائدة، ونفصل ـ تاليا ـ عناصر هذه الرجة التي وجهت الصوت الإصلاحي الباحث عن مقاربة جديدة لعلاقة الديني بالدنيوي، العقل بالنقل، شروط الاجتهاد والمجتهدين...

التجديد بما هو إعادة إنتاج للقديم:
إذا اتخذنا من نص "التّحفة" منطلقا لإعطاء هذه المقاربة بعدا إجرائيا، نجد أنّه نصّ يتوفر على تجديد لا يغفل، التجديد، وهو التّجديد الذي رتبناه ثانيا وثالثا ورابعا في قائمة المعاني الواردة في التعريف حيث يبدأ التجديد مبكرا، في عنوان تراثي قديم، ولع بالسجع، وقعت مزاوجته مع جديد "بندق الرصاص".( ساغ لنا الكلام في هاته المسألة إذ هي من المستحدثات بعد أولئك الحماة الأركان) 5
ـ في خطبة الكتاب حمد لله، وصلاة على النبي (ص)، ثمّ سلّم على الصحابة جريا على مذهب سلف الأمة في افتتاح خطبهم أو كتبهم، ولكنه أضفى على هذه المقدمة الإيمانية طرافة لا أظن أن معاصريه قد استحسنوها منه، إذ ربطها بتمجيد كامل للعقل، 6
ـ ( الحمد لله الذي شرف نوع البشر بالعقل الذي به يستبان الحق ويستبصر)
ـ ( والصلاة والسلام على مبلغ هذه النعم ) 7
ـ ( ثم الرضى عن التابعين ... سيما هداة الأمة الأئمة المجتهدين ) 8
إن هذا التقديم الذي تحرر من العبارات السبحانية حسب تعبير المثقف سليم دولة، بلغت أوج نضجها في أسلوب جديد من التسبيح والحمد لله داخل التاريخ وضمن آلياته، عند المجدد حسن حنفي، الذي جاهر في مقدمة مشروعه الضخم :" من العقيدة إلى الثورة" بأنه يستبدل المقدمة الايمانية الكلاسيكية بمقدمة نضالية ملتزمة، يقول فيها: ( باسم الشعب باسم التاريخ).

مراجعات على السلف:
من أبرز سمات النص التجديدي خلق فجوة نفسية وفكرية مع الموروث، تظهره نسبيّا مسوّرا داخل سياج الزمان والمكان والأفق الثقافي ، هذا التسوير كفيل بتمهيد الأرضية لتبيئة الجديد، أو ما يسمى في الدراسات البيداغوجية ضعضعة التعلمات القبلية، وهزّها، وأزّها، وهي أيضا من السنن المغيّبة في الكتابة الرسمية للحديث، في ما رواه بعض الصحابة("كان الرسول ص يفرغنا ويملؤنا" ...).
يبدأ جدل نقد السابق وتجاوزه من:
ـ عدم الرضى عن القديم الذي عالج مسألة الصيد ببندقة الرصاص، والاستنكاف من التقليد (فلم أجد من تحريرها ما يروي الظمآن ويشفي الصدر من غياهب التقليد) 9
ـ واصل تعتعة القديم أصولا وفتاوى وشيوخا، فقدم رأيه على القدامى والمعاصرين له  (وهذا الجواب أولى مما أجاب به السعد ) 1
ـ وضع جانبا مواقف شيوخ الأحناف من المسألة، وأفتي بجواز صيد البندقة (ونقل عن قاضي خان: لا يحل صيد البندقة والمعراض والحجر وإن جرح لأنه لا يخزق) 11، وفي نفس السياق ذكر (بن عابدين ... حيث قال بحرمة صيد بندقة الرصاص) 12
ـ أكثر علماء السلف عنده غير موثوق بهم، كما أن فتاواهم المؤسسة على التقليد، لا تقنع من أي وجه (... إن ذلك وهم سرى للفاضل الزيلعي فتبعه من بعده ... مطبقين عليه كأنه المذهب الذي عنه لا يذهب) 13 ، وهو يعد مقالتهم (... سفسطة ومكابرة ...) 14
كما أنه لا يتردد في التّشهير بفتاوى المقلدين الذين حرموا صيد البندقة وحرموا كل توظيف للمنتج الحداثي في حياة المسلمين (وقد ظهر لي بهذا جواب عما أوردته الملحدة ونقله بن عادل) 15.
ـ  حرم تقليد المقلد (وفيه من مبحث المقدمة أن الكتب الغريبة التي لم تعرف لا باسمها ولا مسماها لا يجوز الإفتاء بها) 16. وإذا ألجأه الوقار إلى نقد منزه عن التجريح خطأ ـ وسمهم بضعف الاطّلاع على مخترعات العصر(إني أظن أنه لم يشاهد عمل الرصاص إذ كان في زمانه في مبادئ أمره ... ) 17 .

إن دفاع محمد بيرم الخامس الحماسي عن جواز أكل ما صيد برصاص، فيه تصد للعقلية التقليدية التي تصور التواصل مع الحديث والحداثي خطرا على الهوية الحضارية للأمة، وكأن هذه الهوية على قدر من الضعف والهزال الذي يجعلها تنهار أمام كل غاز. إن الكاتب يعي تمام الوعي أن المعترضين على البندقة هم أنفسهم المعترضون على التنظيمات، والرافضون لإصلاح التعليم الزيتوني، ولتحديث مؤسسة الدولة.


من رفض الفتوى إلى رفض المنطلقات الأصولية:
حاول محمد بيرم الخامس في نص التحفة التحرر من سلطة المصطلح الأصولي وتبعاته النقدية والمنهجية ( ... بل الظاهر أنه لا يلزم التواتر بل يكفي غلبة الظن...)18، وينبغي لنا ـ ضبط درجات اللحظة الإبداعية ـ في عبارة بهذه الحدّة النقدية، وذلك بأن نستحضر السلطة الرهيبة التي نالها مصطلح " التواتر19" داخل الثقافة الإسلامية، وهي سلطة لم ينلها غيره، فهذا المصطلح شبيه بمكتب جمارك في أحد الموانئ، لا تمر شاردة ولا واردة إلا "بإذنه."
إن الثقافة الإسلامية تدين بعظيم الفضل لمصطلح "التواتر" الذي كان منطلق كل شرعية ومنتهاها، فزيد بن ثابت لما جمع القرآن لم "يقبل" إلا متواترا، والبخاري لم "يصحح" إلا متواترا، والمفسرون المعتدّ بكتبهم لم يعتمدوا إلا "متواترا"، وكتاب السيرة حرصوا على "جمع متواتر"... وكل العلوم الشرعية سليلة هذا الأسّ الأول، أو هذا المشرّع لكل الشرعيات، والمؤصّل لكل الأصول.

يوازن الشيخ الحنفي الزيتوني بين التواتر، وما أدراك ما التواتر، "بغلبة الظن"، وكأنهما مترادفان أو متقاربان، وفي النص الديني ازدراء للظن لا يعادله ازدراء، نص نعت الظن بكل قبيح، وجعله خارج دائرة نظرية المعرفة الإسلامية، فهو سبيل قبيح (وظننتم ظن السوء) 20، كقبح الكفر والكافرين(ذلك ظن الذين كفروا) 21، العاجزين عن بلوغ الحق (إن تتبعون إلا الظن) 22، ، والظن هو النقيض الموضوعي لليقين، وليس بينهما أمل صلح(إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا)23، ولا طائل من الظن (إنّ الظن لا يغني من الحق شيئا) 24، باعتباره سلوكا جاهليا(يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية)25 ويجلب لصاحبه الإثم (إن بعض الظن إثم) 26... ونصوصا أخرى عديدة لا يحمد فيها الظن والظانون، أو ما كان وليد ظن.

الدعامة الأساسية الثانية في المنظومة التقليدية "علم الجرح والتعديل"27 ، الذي كان الأداة الرسمية لانتقاء المدونين المخلصين من الرّواة، والمنظرين الصادقين، والروايات الموثوق به وبأصحابها، ومن يؤخذ عنهم، ومن لا يؤخذ عنهم في المرحلة التأسيسية المبكرة، يصبح في التحفة غير مجد،(إلا أن البحث عن حال الرواة في زماننا متعذر لطول المدة وكثرة الوسائط)28
إن هذه "الإهانة الابستيمولوجية"ّ 29 المزدوجة، لا تهز ثقة مجتمع المؤمنين بالتواتر وعلم الجرح والتعديل في عصر التحفة وفي عصرنا فحسب، بل يمكن أن تتعداه إلى عصر التأسيس ذاته، لتعيد طرح سؤال النهضة المركزي عن مشروعية سفر القديم بحرفيته من عصره إلى عصرنا، على فرض أنّه نقل إلينا بحرفيّة، ولم يداخله شيء من وضع الوضّاعين، واختلاق المختلقين، وهذه الهزّات الابستيمولوجيّة لا تضير السلوك الإيماني، وجوهر المقدس الرّاسخ في ذات الفرد والمجتمع ..

ومع كل الإجلال الذي نكنه للدعامتين الأصوليتين المذكورتين، فإننا لا نقرنهما بالقرآن قداسة وأهمية، باعتبارهما نتاجا بشريا، لا يلغي بحال حق البحث عن مسارات تشكل جديد للثقافة الإسلامية، والتّحقّق من الدّعامات التي قام عليها البناء الثقافي الإسلامي، ومن حقّنا أن نعيد طرح السؤال الأصولي عن قدرتهما الحقيقية على حفظ الدين الرباني من تقول المتقوّلين، والمجال لا يتسع لذكر الأمثلة عن مرويات عديدة وجهت سلوكنا الإعتقادي والتعبدي والتشريعي وحولها طعون وتحفظات، وعن شخصيات صورها لنا التاريخ الثقافي الرسمي عدولا ثقاة ضابطين.... وهي ذات باع في تزييف الحقائق، وفي التساهل غير البريء في نقل المرويّات.
إنّ علم الجرح والتعديل كان حاجة مرحلة، أنجز مهمته الابستيمولوجية تامّة غير منقوصة، بانتخاب ما أوكلت  له "الانتلنجنسيا الإسلاميّة" انتخابه، واعتباره ملزما للمسلمين في أمور معاشهم ومعادهم، وكذلك انتهت منذ قرون مهمته الأيديولوجية بتحويل الملوك الغاصبين للملك خلفاء لرسول الله، وحفظة لبيضة الإسلام، ورعاة لشعائره ومشاعره المقدّسة، ووظيفته شبيهة في عصرنا بالمحاوات الشّفوية التي تجريها مؤسسات على راغبين في الانتساب إليها. وإن التذكير بهذا التعريف الاجرائي لعلم الجرح والتعديل يحرره من هالة ارتقت به إلى مصاف العلم اللدني الذي لا يأتيه باطل أو هوى... ولصاحب التحفة فضل تدشين هذه اللحظة النّقديّة التي لم يسبقه إليها أحد.

نحو تخفيف شروط المجتهد:
عدّ صاحب التحفة شروط المجتهد المطلق، الذي له وحده ـ حسب المنظومة الفقهية
التقليدية ـ حق الاجتهاد في مسائل الشرع، شروطا تعجيزية يستحيل اجتماعها في فرد (ولعزة توفر هاته الشرائط قالوا بانقطاع الاجتهاد ... ) 30، ويمكن استبدال شروط المجتهد التعجيزية" التي كانت المسوغ  لغلق باب الإجتهاد، وتشريع التقليد في التاريخ الثّقافي الإسلامي، بشروط ممكنة التحقيق(... من شروط الحاكم خمس خصال فإذا كن فيه فقد كمل : علم بما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم عن الخصم واقتداء بالأئمة ومشاورة أهل العلم والرأي)31. ويمكن اعتبار هذه الشروط الجديدة نزعة ديموقراطية مبكرة، تجعل دين الله في متناول عيال الله كما يقول محمد الطالبي. )

إعادة تأصيل الأصول:
ـ دعا الشّيخ البيرمي إلى منهج أصولي يقوم على الاجتهاد الجماعي لأهل المصر الواحد (فقد كان أبو حنيفة الذي هو فحل المجتهدين لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع عليها أصحابه ويفاوضهم ويناظرهم ويشاورهم فإذا استقر الرأي على شيء أمر أبا يوسف بإثباته في الأصل...) 32 وإذا بعدت الشقة فالحل موجود في التراسل( فإن المشاورة بالكتابة سنة قديمة في الحوادث الشرعية) 33 ، وبهذا يكون قد نقل المرجعيّة الدينيّة من النمط الأرثوذكسي الذي عرف به مراجع الشيّعة خاصّة، ولدى طائفة أهل السّنّة هرميّة قريبة منها، تجعل القرار الشّرعي مركزيّا، وقلّما سلم من شبهة الدّوران حيث السّلطان دار.

وهذا من التجديد الأصولي في ثقافة لم تعترف إلا بإجماع صريح أو بإجماع سكوتي، ولم تفرد لإمكانية التواصل نفس القدر من "الشرعية الأصولية"، لأن الفقه كان أخطر معرفة دارت حيث السلطان دار، وما كانت المؤسسة  الدّينيّة الرسمية تقبل مثل هذا الانفلات في السلوك الفقهي، فمن بعد عن السّلطة ومركزها، تحرّر من هاجس الخوف، ومن امكانية المجاراة النابعة أساسا من الإكراه والعسف، لكنّه يظل تحت طائلة عيون السلطان، وأياديه الباطشة.

ـ وكذلك تصدّى محمّد بيرم الخامس لمسألة أصوليّة لإفتاء المسلمين في مأكلهم، ثمّ يعترف أنّه ليس ممن استوفوا شروط الاجتهاد، ( وإنّي وإن كنت لست من فرسان هذا الميدان ولا ممّن يشار إليه فيه بالبنان) 34 ، رغم أنّه قد شدّد في موضع آخر على خطورة هذا الجانب الأصولي على المدوّنة الفقهيّة، وعلى سلامة اعتقاد المسلمين وعملهم ( استقر رأي الأصوليين على أنّ المفتي هو المجتهد، أمّا من ينقل الأقوال فالواجب عليه إذا سئل أن ينقل كلام المجتهد) 35 ، فكيف يتسنّى لنا أن نصنّف موقف صاحب التّحفة من وجهة نقديّة أو أصوليّة ؟ فهو ليس مجتهدا مستوف لشروط الاجتهاد المتواترة في كتب الأصول، وليس ينضبط للتقليد ؟ بل إنّه يستخف بشروط الاجتهاد التي درجت على تقديسها المنظومة الفقهيّة، مذ أصّل الشّافعي أصوله وفرّع فروعه، وألزمنا بها من يومها أصول الإسلام وفروعه لا تنفكّ عنه، ولا ينفك ّعنها، يقول ـ بعد أن عرض مدّة حبس مدين لم يسدّد ما تخلّد بذمّته ـ (... يستوي في علم ذلك المجتهد وغيره، بدون توقّف على علم اللغة وغيره من شرائط الاجتهاد كما لا يخفى)36.

لسنا ندّعي في التّحقيق باعا، ولا في النّقد ذراعا، لذا نستنتج بين ظفرين ـ تحفّظا من خطأ قد يوقعنا فيه التّعميم ـ "إذ نعتبر أن لا أحد من المجدّدين قد تمرّد على المدونة الفقهية هذا التمرّد"، وبهذا الهدوء النفسي والمعرفي أيضا، ينضاف هذا الزّخم التجديدي مع مرجعيّة الأحماف المعلوم من الثّقافة بالضّرورة احتفالهم بالرّأي، وقدرتهم على التّفكير خارج السّياج الأصولي المحتكر للشّرعيّة الدّينيّة قرونا، وليعلن ميلاد شرعيّة جديدة للعقل السّؤول، حسب تعبير بن المقفع (... ساغ لنا الكلام في هاته المسألة إذ هي من المستحدثات بعد أولئك الحماة الأركان ) 37.
العنوان الصريح لهذه الشرعية الجديدة، هي عودة للقديم الحنفي / الاعتزالي، فقال عن منهجه
(فقد قدمنا لك معقولا ومنقولا...) 38، فانظر إليه كيف أجرى ترتيبها قاصدا، منقول يتحوّل في نصه إلى تابع لمعقول، أو خادما له بالمعنى الابستيمولوجي، وهو ترتيب مضمر، قصديّ
يبلغ به كمال الاحتفال والزّهو، وذهب به ذلك بعيدا، حدّ تكفير فقيه حنبلي من معاصريه، (وقد ظهر لي بهذا جواب عما أوردته الملحدة ونقله بن عادل) 39

خلاصة:
يمكن أن ننتهي إلى مجموعة من النتائج، أهمها أنّ التّجديد مسألة نسبيّة يقدّر القارئ معيارها ودرجتها، من خلال إدراكه لما أتاحته له من ممكن معرفي، أو مجال للفعل والحركة، ومن خلالها يمكن أن نسم عملا ما بأنّه مجدّد أو أنّه مردّد، وقد بدا لنا الشّيخ محمد بيرم الخامس في "تحفة الخواص" مستعيدا للقديم في جوانب شكلية وأخرى مضمونية، ولكنه جدد بجدارة إذ أجاز عمليا لكل ذي علم ونظر:
1ـ أن يفهم الشرع بما يناسب عصره وأفقه الثقافي وما يقوده إليه النظر العقلي، دون انتظار ترخيص من إكليروس ديني سماه الشيعة "إماما" وسماه السنة "أصولا ومقاصد. وسماه الصوفية " قطبا أو شيخا".
2ـ أنه قدّم نموذجا عمليّا عن خروج على الفكر الأصولي، دون أن يؤول هذا الخروج، إلى خروج مصاحب من حضيرة الدين الفسيحة، ومن فسطاطه الرّحب.
3ـ أنّ الحوار بين العقل والنّقل في الثّقافة الإسلاميّة ينبغي أن يحسم، لأن النزعة السبحانية لا تطلب رضاء الله تعالى في كل عمل، بل تطلب رضاء من لا يرضيهم إلا اجترار خطابهم، وخدمة توجّهاتهم ومصالحهم.
4ـ التنويه بمعايير جديدة لاختيار النخبة المثقفة التي يعهد إليها تجديد الشريعة، وتطوير الحياة الاسلامية، معايير ذات عنوان بارز: (خبرة الحاكم ومهارته)40.
5ـ أن اكتمال النبوة وتوقف الوحي السماوي، يعنيان ضرورة تدفق الوحي الذي يحمله كل إنسان في رأسه، وهو العقل / السؤول الذي يخلف الله في كونه بالكدح في التّجديد، وليس في بقهر العقل من خلال إستهلاك المستهلك، وإعادة المعاد، وتكرار المكرّر، واجترار ما توسّط الأمعاء، وشارف المخرج.

هوامش وإحالات:
1ـ الاسقاط التاريخي: مصطلح يستعمله أركون في " كتابه الفكر الاسلامي قراءة علمية" يقصد به إسقاط منجزات الحاضر على الماضي بشكل يظهر أن الماضي هو الأصل، وأن الجديد المضاف أو المبدع ليس سوى نسخة لقديم ما.
2 ـ يكون المقروء معاصرا لنفسه حين يقرأ في حدود أفقه الثقافي وانخراطاته الايديولوجية التي شهدها أو شهد فعلها وتفاعلها، وهذا الشرط الذي يقترحه الجابري في كتابه "نحن والتراث" يكمل الطرح الذي ساقه أركون، من حيث لم ينويا تكاملا.
3 ـ يكون المقروء معاصرا لنا عندما يجيبنا إلى حاجة من حاجاتنا الرّاهنة، أو عندما يعضّد مجهودنا المعاصر في بناء ثقافي أو حضاري، فليست القراءة نزهة رمزية تقصد لذاتها.
4 ـ عبارة الفيلسوف سليم دولة من كتابه "الجرحات والمدارات"، دون مزيد توثيق.
5 ـ تحفة الخواص ص 239
6 ـ المصدر السابق ص 227
7 ـ المصدر السابق ص 227
8 ـ المصدر السابق ص 228
9 ـ المصدر السابق ص 228
10 ـ المصدر السابق ص 231
11 المصدر السابق ص 242
12 المصدر السابق ص 246
13ـ المصدر السابق ص 229
 14 ـ المصدر السابق ص 256
15 ـ المصدر السابق ص 230
16 ـ  المصدر السابق ص 239
17 ـ المصدر السابق ص 248
18 ـ المصدر السابق ص 238
19 ـ التواتر مصطلح من علم الحديث نحته جيل التأسيس للتأكد من "صحة" المرويات لما عزموا الجمع، جمع القرآن وجمع الحديث النبوي، والتواتر عندهم ما نقله كثرة من العدول الثقاة عن مثلهم عن الرسول (ص) من غير علة قادحة في سلامة المروى، يقابل المتواتر خبر الآحاد أو خبر الواحد.
20 ـ سورة الفتح ، الآية رقم : 12
21 ـ سورة ص ، الآية رقم : 27
22 ـ سورة الأنعام ، الآية رقم : 148
23 ـ سورة النساء ، الآية رقم : 157
24 ـ سورة يونس ، الآية رقم : 36
25 ـ سورة آل عمران ، الآية رقم : 154
26 ـ سورة الحجرات، الآية رقم : 12
27 ـ علم الجرح والتعديل علم أسسه المسلمون ليعرفوا به حال الرواة من حيث الضبط والعدالة، الذين يوثق بهم، وتؤخذ رواياتهم في القرآن والسنة، وقد ضمنوه شروطا قاسية، لكن للأسف لم تمنع من تسرب مرويات عديدة بعضها يعارض العقل والعلم ومقاصد الشرع.
28 ـ تحفة الخواص ص 234
29 ـ الإهانة الابستيمولوجية، مصطلح نقدي لا يحيل على معنى أخلاقي قد يوهمنا به لفظ الاهانة، استعمله جورج طرابشي في تقديم ترجمته لكتاب سيجموند فرويد "قلق في الحضارة" ويقصد به الهزات المدوية للكشوف العلمية التي نقلت الانسان من مركز الكون إلى جسيم متناه في الصغر، والاهانات الثلاث هي كوبرنيك، داروين، فرويد.
30- تحفة الخواص ص 236
31 -  المصدر السابق ص 235
32 - المصدر السابق ص 235
33 -  المصدر السابق ص 235
34 - المصدر السابق ص 228
35 - المصدر السابق ص 228
36 - المصدر السابق ص 234
37 - المصدر السابق ص 239
38 - تحفة الخواص ص 25
39 - المصدر السابق ص 230
40 - المصدر السابق ص 234

avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى