الضّــيـــــــــــــــــــــــاء

الدّرس 5: فلسفة التّشريع

اذهب الى الأسفل

الدّرس 5: فلسفة التّشريع

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الأحد نوفمبر 05, 2017 9:07 am

جامعة جندوبة                                                                                                                       السّنة الجامعيّة: 17-2018
المعهد العالي للدّراسات التّطبيقيّة في الانسانيّات بالكاف                                                                        السّنة 1 / السّداسي: 1
الدّرس الخامس: فلسفة التّشريع
تمهيد:
في الفكر الإسلامي حوار طويل حول الجانب التّشريعي من حيث حجمُه، ومكانتُه، وعلاقتُه بمختلف مكوّنات الخطاب الدّيني، وأساسا من حيث مساحةُ الاتّباعِ والإبداعِ فيه، وما في كلّ ذلك من إلهي ومن بشري... وقد ترك لنا المهتمّون به تراثا ثريّا يحتاج دراسة علميّة، وحفرا في عمق الذّهنيّة الإسلاميّة التي فكّرت في التّشريع وبه ومن خلاله... من أجل أن نمتلك هذا المخزون الثّقافي والدّيني المنوّع وأن نعقلنه، وأن نكشف مبادئه ومنطلقاته، ومناهجه، كي نوجّه حركته في اتّجاهين يفتحانه على عصر كتابته، وعلى عصر قراءتنا، وهو المراد من عبارة "فلسفة"، حتّى نتحوّل كما كما قال الجابري "... من كائنات تراثيّة إلى كائنات لها تراث"... / الجابري، محمد عابد، نحن والتّراث، المركز الثقافي العربي، ط1، 1980، ص19.                                                                                          
لقد أسّس المسلمون علم "الفقه"، وعلم "أصول الفقه" و"القواعد الفقهيّة" و"مقاصد الشّريعة الاسلاميّة" ... لتكوّن مناهج استنباط الأحكام التّشريعيّة من مضانّها، استنباطا يحقّق مصالح "المجتمع المؤمن".                    
 I ـ تعريف التّشريع:
1- لغة: التّشريع: سنُّ قوانين وأحكام.
2 – اصطلاحا / شرعا:
التّشريع، والشّريعة والشّرع يراد بها أحكام الله الاعتقاديّة التي تخصّ العقيدة، وأحكامه العمليّة الخاصّة بالعبادات (صلاة، زكاة، صوم، حجّ...) وبالمعاملات كالبيوع والجنايات، والميراث والأحوال الشّخصيّة...
ورد في الكشّاف ( الشّرع والشّريعة... ما شرع الله لعباده من الأحكام... سواء كانت متعلّقة بكيفيّة عمل وتسمّى فرعيّة وعمليّة، ودوّن لها علم الفقه، أو بكيفيّة الاعتقاد وتسمّى أصليّة واعتقاديّة، ودوّن لها علم الكلام) / التهانوي، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان، ط1، 1996، ص1018) ، وهذا التّعريف يضعنا أمام إشكال منهجي ـ أصولي، تمثّله عبارة "ما شرع الله"، فهذه الأحكام وإن وردت في الوحي إلا أنّ العقل هو الذي يستنبطها منه، ويشرحها، ويرسم لها مسالكها الاجرائيّة وطرق تطبيقها، كي تصبح قانونا قابلا للتّنفيذ، وعليه، فإنّ القول بأنّها أحكام الله لا يعدو كونها مبلِّغةً إلى مقاصد الله، وهي - مؤكّدا - حاملة لخير ولفضيلة.
3- آيات الأحكام في القرآن:
يقصد بها: ما ورد في القرآن من آيات تتضمّن أوامر ونواهي وحدود... كآية حلّ البيع وحرمة الرّبا، وآية الرّهن، وآيات حدّ الخمر والسّرقة والقذف... وكلّ ما تضمّن حكماً شرعيًّا بنصه، أو بدلالته، أو بسياقه...
ويرى أغلب دارسي القرآن أنّ عدد آيات الأحكام خمسمائة آية، ورأى البعض أنّ عددها مائتا آية، ومنهم من جعلها مائة وخمسين آية فقط، وهذا التّضارب في الأرقام مردّه أمران:
    أ ـ عدم وجود نصّ توقيفي، يحدّد عددها ومواضعها، وبالتّالي حصل اختلاف في طلبها.
    ب ـ  تشدّد البعض في الاكتفاء بإحصاء آيات يتضمّن نصّها عبارة حكم، مثل قوله تعالى (أحلّ لكم / حرّمت عليكم / ولا تقتلوا النّفس ...)، وتغاضوا عن غيرها، يقول الصّنعاني ( حصروا ذَلِك فِي خَمْسمِائَة آيَة... وَلَا دَلِيل على حصرها وكل الْقُرْآن وآياته دَالَّة على الْأَحْكَام) / الصّنعاني، محمد بن إسماعيل، إجابة السّائل شرح بغية الآمل، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 2، 1988 ، ص 384، خلافا لعادة عرب يترفّلون في لغتهم، حيث أنّهم يطلقون فعل الأمر  ويريدون به الوجوب (قال تعالى: وأقيموا الصّلاة" "البقرة 43") أو الاستحباب (قال تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" "النور 33)، أو الإباحة (قال تعالى: "كلوا واشربوا" "الحاقّة 24") أو الدّعاء (قال تعالى: "ربّ اغفر لي" "نوح 28") أو المشورة (قال تعالى "فانظر ماذا ترى" "الصافّات 102") أو التّعجيز (قال تعالى: فأتوا بسورة "البقرة 23")...
كما يطلقون النّهي ويريدون به التّحريم (قال تعالى: "ولا تقتلوا النّفس" "الإسراء 33")، أو الدّعاء (قال تعالى: "ربّنا لا تزغ قلوبنا") أو بيان العاقبة (قال تعالى: "ولا تحسبنّ الله غافلا إبراهيم 42")، أو الكراهيّة ( قال تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" "المائدة 101")... ولمن أراد توسّعا فيها فليطلبه من الشّوكاني في مؤلَّفه "إرشاد الفحول"، (من ص 452... 498...).

4  - اهتمام المسلمين بآيات الأحكام:
أكثر المسلمون من التّأليف في آيات الأحكام في كتب حملت عنوان المبحث، ومنها:
كتاب "جامع البيان في تأويل القرآن" لمحمد بن جرير الطبري.
كتاب أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي.
كتاب أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي.
كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص.
وبعضهم بثّها في تفاسير، وفي كتب علوم القرآن، وفي كتب أصول الفقه.
II  ـ حوار العقل والنّقل في التّشريع:
نقصد بـ"النّقل" "السّمع" أو "الشّرع" أو "الوحي" أو "الأثر "، وهي نصوص القرآن والسّنة المعتمدة مرجعا روحيّا وفكريّا ومذهبيّا، ويقابلها جميعا مصطلحا "العقل" أو" الرّأي"، وعليه، فإنّنا نسعى إلى تحديد مجال العقل والوحي في التّشريع، وقد سبق لنا إثارة ثنائيّة "الإلهي والبشري" في آيات الأحكام، وفي التّشريع عموما، ونبسطها بتفصيل من خلال الملاحظات المنهجيّة التّالية:
ـ آيات الأحكام إلهيّة من حيث مصدرُها، ونصُّها، كونها قرآنا متلوّا من الله تعالى، أمّا من حيث فهمُها، وتفسيرُها، واستنباطُ القوانين منها، وضبطُ شروط تطبيق تلك القوانين على الحالات المناسبة لها، وذكر الظّروف الاستثنائيّة التي ترفع العمل بها... فكلّها ممارسات عقليّة، اجتهاديّة، بشريّة... وفي هذا السّياق يمكن أن طرح السّؤال التّالي: "هل أنّ آيات الأحكام ناطقة بمراد الله التّشريعي ؟" أم هي "ناطقة بمراد الله التّشريعي كما فهمته عقول الفقهاء في عصر معيّن وفي مجتمع بالذّات؟"
بين السّؤالين مسافة نقديّة شاسعة هي الفاصلة بين توجّه تيوقراطي، يدّعي النّطق باسم الله، وباسم شرعه، وبينّ توجّه عقلاني إنساني يعتبر التّرسانة التّشريعيّة وكلّ العطاء الثّقافي الإسلامي مشروعا مفتوحا على احتمالات لا محدودة ولا مقطوعة من إثراءات ومراجعات وإضافات ساعية قدما إلى تحقيق مقاصد الشّرع السّمحة، يقول خلاّف (فمن خواص القرآن أن ألفاظه ومعانيه من عند الله، وأنّ ألفاظه العربية هي التي أنزلها الله على قلب رسوله) / خلاّف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، دار الفكر العربي بالقاهرة، 1996، ص 26.
لقد ارتطم الباحث (خلاّف) بقداسة الموروث الدّيني والفكري، فتحرّش به قليلا، ثم نكص تاركا ملاحقة المعنى إلى مداه "القصووي" كما يقول الفيلسوف سليم دولة، وإلا فما الجِدّة في قوله المذكور؟ فحتّى صغار الولد يعلمون عندنا ذلك، ويقولونه بعباراته، وبعبارات أبلغَ منها، وعليه، فإنّه قد سكت عن كشف مساحة العقلي والبشري في بنية الخطاب الدّيني نفسه، رضوحا لسلطة ذهنيّة تراثيّة تحدّ من انطلاقة فكره، وكان لمحمّد أركون شرف الإبانة عن ذلك في مشروعه الفكري، سيّما وهو ينعم بريح الحريّة في الغرب، لا تطاله فيها يد إكليروس ديني ولا عصا مستبد سياسي.
ـ محدوديّة عدد آيات الأحكام ـ وإن كانت خمس مائة آية ـ أخذا بالرّواية الأكبر عددا، فإنّها بعيدة تمام البعد عن تحقيق الكفاية من القوانين للمسلم في بعديه الدّيني والدّنيوي، وفي مجاله الفردي والمجتمعي والدّولي، حينئذ تتحوّل آيات الأحكام إلى منارات يهتدى بها في رحلة الاستنباط الطّويلة والمتواصلة، والتي يضطلع بها العقل، أساس الاستخلاف وقاعدته، يقول الغزالي(إنّ البيان الشرعيّ المتمثّل في الكتاب والسنّة قاصرٌ، ولا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة، ولا يتّسع لتعيين الحكم الشرعيّ في كثيرٍ من القضايا والمسائل لكثرتها وتجدّدها ) / الغزالي، أبو حامد، المنخول في علم الأصول، دار الفكر سوريا، ط3، 1419ه، ص 596.
ـ المنظومة التّشريعيّة تقوم على تبويب لمجالاتها، وتفصيل لمواضيعها، وتفريع لأحكامها، ليسهل على رجال القانون، ومؤسّسات القضاء والافتاء الوصول إلى الأحكام بأيسر مجهود، وهذه المنهجة أو الفهرسة، أو التّبويب عمل عقلي بلا نزاع، فدلّ ذلك على أنّ أساس التّشريع اجتهاد عقلي، وأنّ المتوصّل إليه فيه اجتهاد بشري يروم الاقتراب من مراد اللّه بقدر الطّاقة البشريّة.
 IIIـ خصائص التّشريع الإسلامي:  
1  - البشريّة:
لا ذكر لهذه الخاصّيّة في الكتابات الأصوليّة التّقليديّة في الفكر الإسلامي تبعا لسيطرة "نظرة سبحانيّة" عليه كما يقول الفيلسوف سليم دولة في جراحاته، ترى أنّ قدسّية الله لا تكتمل إلاّ بمصادرة كاملة لحرّيّة الانسان وفاعليّته، ولحقّه في أن يرسم لنفسه بنفسه طرق عبادة ربّه في التّاريخ.
    هذه الكتابات تتداول بدلا عن هذه الخاصيّة خاصيّة "الربّانيّة" لتقول فيها أنّ هذه الشّريعة ربّانية في حين أنّنا قد بيّنّا بشريّتها باعتبار أنّ الانسان هو هدفها والمخاطب بها، والمكلّف بفهمها واستنباطها وتطبيقها والمنزّلة هداية له وحجّة عليه إلى يوم الدّين، وهو الذي يعيّن العام منها ويفصله عن الخاص، ويسمّي هذا محكما وذاك متشابها، ويعتبر هذا قطعيّا وذاك ظنيّا... وهذه الميزات مجتمعة تعطي للشّريعة الاسلاميّة قدسيّة مضاعفة بتحميلها الانسان مسؤوليّة خلافة الله في الأرض تامّة غير مجتزأة، وغير مستلبة، والله يعبده أحرار كرماء، عبادة أكمل من عبادة عبيد أذلاّء.
2  - الواقعيّة:
تتجلّى واقعيّة التّشريع الإسلامي في الاعتراف بكل أبعاد الإنسان (روح، جسد، عقل)، وفي سنّ تشريعات تحفظها، وتكفل توازنها، قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة، الآية 286. وشرّع رخصا في كلّ العبادات للتّخفيف على المضطرّين  وعلى أصحاب الأعذار (تيمّم بدلا عن غسل أو وضوء، قصر صلاة رباعيّة لمسافر ، إفطار رمضان لمريض ولمسافر ولمرضعة...).
ومن الواقعيّة سكوت الشّرع عن تفصيل أحكام تتعلّق بمعاش النّاس، وبمنوالهم الاقتصادي والسّياسي... لتبقى مرسلة إلى اجتهادات بشريّة حسب مقتضيات الواقع المتغيّر والظّروف التّاريخيّة المتطوّرة.
3  - الشّمول:
نعني بها شمول الشّريعة لمناحي الحياة، ولمتطلّبات الدّنيا والآخرة، والشّمول منهج عام يروم تحقيق مصالح للنّاس في معاشهم وفي معادهم، وليس تعرّضا لأدقّ التّفاصيل الحياتيّة، لأنّ الشّرع لو فصّل كلّ مناحي الحياة لَلَحِق النّاس من ذلك حرجٌ عظيم، بسبب التّغيير السّريع والمتلاحق في نمط حياتهم وتفكيرهم ووسائل إنتاجهم... قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، سورة الحجّ، الآية 78.
4  - العالميّة:
أحكام الشّرع الإسلامي عالميّة، تبيح للإنسان - مطلق الانسان - الطّيّبات، وتحرّم عليه الخبائث، لصون الحقوق، وسدّ الذّرائع أمام ظلمهم وقهرهم، تحقيقا للاستقرار الاجتماعي، ولصون السّلم العالمي، خلافا لشرائع عديدة تهب لأتباعها امتيازات لمجرّد العصبيّة والانتماء، فشريعة اليهود المحرّفة، تحرّم على اليهودي سرقة يهودي آخر، وتجيز له سرقة أمّي (لا كتاب سماوي له). وتشبه هذه الازدواجية قيام شريعة المجتمع الدّولي القائمة على مبدأ "الكيل بمكيالين"، وما تسبّبه من قهر للشّعوب وهي دليل على بطلان مرجعيّتها القانونيّة والأخلاقيّة...
5  - المقاصديّة أو البعد المقاصدي في الشّريعة:
المقاصد هي الأهداف والغايات التي تسعى الشّريعة الاسلاميّة إلى تركيزها في السّلوك الفردي والجماعي، وفي الواقع المحلّي والعالمي، وهي مقاصد خيّرة، نبيلة، انسانيّة، عادلة...، يقول ابن عاشور (لكنّ المتدبّر إذا تدبّر في تلك التّشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور). / ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشريعة الاسلاميّة، طباعة وزارة الأوقاف القطريّة، 2004،  ص 36.
أ ـ تعريف المقاصد:
أوّل من تكلّم في المقاصد كلاما ممنهجا ومؤصّلا هو الإمام أبو إسحاق الشّاطبي في كتابه "الموافقات"، وعرّفها بقوله (إنّ وضع الشّرائع إنّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا)، الشّاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، الموافقات، دار ابن عفّان، ط1، 1997، ج2، ص 9)، وقد حاول من خلالها:
* فتح مجالات جديدة أمام الذّهنيّة الأصوليّة كي توازن بين نصوص شرعيّة متناهية، ومستجدّات في حياة النّاس غير متناهيّة.
* إدراج الأحكام الفقهيّة الجزئيّة في سياق كلّيّات تجمعها، وتحقّق التّناغم بينها.
* التحرّر من الفهم الحرفي للنّصوص، وقراءتها قراءة تأليفيّة تدرجها في سياقها العام.
* تحويل علل الأحكام (الحكمة من تشريعها) إلى مقاصد عامّة يُسعى من خلالها إلى جلب المصالح ودرء المفاسد.
أ ـ كيفيّة استنباط المقاصد:
حدّد الأصوليّون منهج استنباط المقاصد من الآيات المحكمة (الواضحة، البيّنة)، ومن الأحاديث النّبويّة الصّحيحة، وذلك بالاستناد إلى عللها (أسباب تشريعها، أو القصد من تشريعها)، وبين الأصوليين خلاف:
ـ فريق يرى أن كلّ أحكام الله معلّلة، بمعنى يمكن للعقل الوصول إلى علّة تشريعها والمصلحة منها.
ـ فريق قال بأنّ العلل قصر على الأحكام الخاصّة بالمعاملات، فيمكن للعقل تحديد الحكمة من إباحة التّجارة وتحريم الرّبا، والمصلحة من تحريم قتل النّفس بغير حقّ، والفائدة من تشريع الزواج، أو من تحريم الخمر والزّنا... بينما أحكام العبادات ليست معلّلة بالضّرورة، وبالتالي فمن كمال الطّاعة ـ عندهم ـ التّسليم بها، دون بحث في الحكم منها، فالعقل لا يستطيع استنباط الحكمة من جعل صلاة الصبح ثنائية وصلاة المغرب ثلاثية وصلاة العشاء رباعيّة، ولا يستطيع أيضا تحديد سبب فرض الصّوم في رمضان دون سواه من الأشهر، ولا علّة لأنصبة الزّكاة وغيرها...
* فريق نفى العليّة أصلا، واعتبر أحكام الله غير معلّلة بإطلاق سواء احكامه التعبّديّة أو المعاملاتيّة.
لكلّ فريق من هؤلاء حجّته، ولكنّا نرجّح رأي الفريق الأول، لاعتقادنا الجازم أنّ الخطاب الدّيني منزّه عن اللامعقول في أيّ جانب من جوانبه رحمة من الله بخلقه، وتفضّلا منه، وأنّ اللّه أعجز البشر عن الاتيان بمثل القرآن " بالصّرفة" كما يقول المعتزلة، ولكنّه أقدس من أن يطلسم أحكامه، ثمّ يدعوهم بعد ذلك إلى حساب حول تقبّل الوحي، وفقهه والعمل به، وهذا التّرجيح يجد سنده في القاعدة الأصوليّة : "تدور الأحكام الشرعية العملية مع مقاصدها وجوداً وعدماً كما تدور مع عللها وجوداً وعدما".
ونتوسّل بالأمثلة التّالية لتوضيح عمليّة استنباط المقاصد:
ـ قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر ) / سورة البقرة، الآية 185 المقصد : التّيسير ورفع المشقّة عن المكلّفين.
ـ قال تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم)ٍ / سورة الأنعام، الآية 108. المقصد: تحريم سبّ آلهة المشركين، حتى لا يكون ذلك ذريعة لهم لسبّ الله.
ـ قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ سورة البقرة، الآية 179، المقصد: إقامة العدل بين النّاس.
ـ قال تعالى (وَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) سورة الاسراء، الآية 23، المقصد: برّ الوالدين.
ـ قال تعالى(هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) سورة هود، 61، المقصد: خلافة الله في الأرض بعمارتها والصّلاح فيها.ـ
لا نختلف مع الذّهنيّة الأصوليّة في:
  *  الإقرار بأنّ القرآن المحكم هو مصدرها أوّلا، وكذا ما صحّ من سنّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وما أجمع عليه المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم.
* المقاصد تستخرج من الأحكام ثمّ تعود إليه مخصّبة ومثرية.
 * للمقاصد ضوابط وقواعد، ولا تستنبط جزافا أو من منطلق الهوى.
ولكنّنا نختلف معهم في:
* ربطها ربطا عضويّا بالعلل، لأنّ هذا الرّبط مرادهم وليس مراد صاحب الوحي أوّلا، كما أنّ هذا الرّبط حوّل المقاصد إلى خادم للنّص وللنّزعة الأصوليّة، وثانيا لأنّ اعتماد هذه المقاربة يقصي كمّا هائلا من آيات قرآنيّة وأحاديث ذات إيحاءات مقاصديّة قادرة على أن تعيد الفكر الإسلامي إلى سياق العطاء الحضاري، يقول الشّيخ معتصم السيّد أحمد (تكتسب المقاصد أهميتها في التشريع الإسلامي من... كونها تمثّل أهم ما أنتجته العقلية الأصولية، وآخر إبداعاتها فيما يسمى بنهاية عصر النهضة الفقهية) /
* قصر المقاصد على ما سمح به أفقهم الثّقافي وتحدّيات عصرهم، لأنّ من الأحكام أيضا آيات تحدّثت عن الحريّات الفرديّة والجماعيّة (وهديناه النّجدين)، والمساوة وحقوق الانسان ( يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم)، والعدالة الاجتماعيّة  (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، (التوبة: 34)، والجماعويّة وصون الملك العام (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) سورة الحشر، الآية 7، والعقلانيّة (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). (الزخرف:22)، وحقوق المرأة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) سورة النّحل، الآية 97. مدنيّة السّلطة وقيامها على مبدأ تحكيم الشّعب (وأمرهم شورى بينهم) / الشورى 38...
هذه أيضا آيات أحكام قرآنيّة، وذات مقاصد، ولكنّ الذّهنيّة الأصوليّة المعلّق فؤادها في البلاط، لا تراها، وإذا وقفت عندها عالجتها معالجة وعظيّة، ولم تجتهد قطٌّ في مأسستها، وتحويلها إلى مطلب للجماهير كما يقول حسن حنفي في موسوعته من "العقيدة إلى الثّورة".
لقد وعى الشّيخ ابن عاشور بحقيقة هذه الرّوح الأصوليّة الغالبة على المقاصد، فقال عن "الشّاطبي" بأنّه (تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمّات هذه المقاصد) / ابن عاشور، محمد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الاسلاميّة ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، قطر، 2004 ج3، ص28.
    إنّ القائلين بظاهر النّصوص قد ضيّقوا واسعا، وعسّروا سهلا، وبعّدوا قريبا بدعوتهم إلى الالتزام الحرفي بنصوص الأحكام المحدودة في عددها وفي مجالها، وجرّ الواقع جرّا إلى الإذعان إليها، زعما منهم أنّ ذلك من تمام توحيد الألوهيّة، والاعتراف بحاكميّة الله وشرعه، دون اكتراث بما يحدث في حياة النّاس من مستجدّات تقنيّة وطبّيّة وثقافيّة... وليس لها في الشّرع حكم، يقول محمد عبد العاطي (كانت معرفة هذه المقاصد من أهمّ ما يستعان به على فهم النّصوص الشّرعيّة وتطبيقها على الواقع، والاستدلال على الحكم فيما لا نصّ فيه) / محمد عبد العاطي، محمد علي، المقاصد الشّرعيّة وأثرها على الفقه الإسلامي، دار الحديث بالقاهرة، 2002، ص 7.
       إنّ النّزعة المقاصديّة من شأنها أن تؤسّس لنسقيّة تقرأ النّصوص الجزئيّة، والمتقاربة في سياق عام يجمعها، فتردّ الخاص إلى العام، والمنسوخ إلى النّاسخ، والمقيّد إلى المطلق، والمتشابه إلى المحكم... في ثنائيّات تصرف عن الأحكام ما يظهر فيها من تعارض لمن يقرأها خارج سياقها، ولفسح المجال للفكر الإسلامي كي يحي حياة مع نفحات النّص ولكن خارج سياجه المشيّد من حروفه ومفرداته، وهي "روح الفقه" كما يراها أحمد الرّسوني (الرّسوني، أحمد، مدخل إلى مقاصد الشّريعة، دار الكلمة للنشر والتّوزيع، القاهرة، ط1، 2010، ص 17)، لأنّ الفرق كبير جدّا بين قراءة حرفيّة تنمّط الواقع على ما يقال أنّه معنى النّصّ ومقصده، وبين قراءة مقاصديّة تجعل النّصّ كلّ النّصّ الدّيني بمنطوقه، وبالمساحات الافتراضيّة فيه مجرّد بداية لرحلة استكمال لتلك الأهداف النّبيلة في التّاريخ، ويمكن أن نتوسّل بمثالين توضيحيّين هما:
  ـ المثال السّلفي الذي يفتي بحرمة الدّيموقراطية تبعا لمنشئها "العلماني" أو " المسيحي" والتي تعدّ في ذهنيّته المتحصّنة بالنّصّ خروجا عن "الحاكميّة لله"، في حين يراها ذو النّزعة المقاصديّة تجسيدا لمقصد الحريّة والعدالة والمساواة بين النّاس التي هي روح الشّريعة وثابتها الأبرز.
 IVـ منهج تكوين المنظومة التّشريعيّة في الاسلام:  
مصادر التّشريع في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم قرآن وسنّة، واجتهادات صحابة، إذا بلغ خبرها النّبي صلّى الله عليه وسلّم ووجدها متّسقة مع الخط الرّسالي العام، وافقهم عليها، فصارت "سنّة تقريريّة"، وبصفة إجماليّة، فإنّ المنظومة التّشريعيّة في عهده صلّى الله عليه وسلّم تتكوّن من:
1  - آيات أحكام نزلت ابتداء:
كانت آيات الأحكام تتنزّل على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في فترات مختلفة، وحسب طبيعة المرحلة التي تمرّ بها الدّعوة ثمّ الدّولة، ونزولها على هذا النّحو يسمّى "ابتداءً". ويقابل هذا النّمط من آيات الأحكام "ما نزل بسبب"، وهذه خصلة فارقة في القرآن الذي ظل يتنزّل على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم طيلة ثلاثة وعشرين سنة، تفاعل خلالها تفاعلا مباشرا مع التّحديات التي واجهت "جماعة المؤمنين" ـ بعبارة محمّد أركون ـ
تجلّى هذا النّزول المتفاعل مع الواقع ومع حركة التّاريخ من خلال:
أ ـ إجابة عن أسئلة مباشرة من الجماعة المؤمنة، حيث كانت الآيات تتنزّل بصيغة جوابيّة تفاعليّة واضحة (يسألونك عن ... قل)، كما في الأمثلة التّالية:
يَسأَلونَك عن الأهلة قل...
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ...
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ...
يَسْأَلُونَكَ عن الخمر والميسر قل...
ويَسْأَلُونَكَ عن المحيض قل...
يَسْأَلُونَكَ ماذا أحلّ لهم قل ...
يَسْأَلُونَكَ عن الأنفال قل...
ب ـ تفاعلا مع حادث أو اشكاليّة... كما في الأمثلة التّالية:
قال تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها...) سورة المجادلة، الآية 1.
قال تعالى (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى...). سورة عبس، الآية 1.
(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) / سورة البقرة، الآية 115. قال تعالى
2  - أحاديث أحكام:
مثّلت أقوال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته مصدرا سخيّا لإخصاب المنظومة التّشريعيّة في طورها التّأسيسي، غير أنّ بقاء تداول الأحاديث شفويّا، وتأخّر جمعها وتدوينها قد سهّل على كثيرين التّلاعب بها لأغراض مختلفة، ورغم تصدّي محدّثين لغربلتها من الإضافات (البخاري، مسلم، الربيع بن حبيب الفراهيدي...) فإنّ أكثر ما صحّحوه منها أحاد، وقليلها متواتر، ومن أمثلة التّشريع بالسّنّة النّبويّة.
   أـ موافقته صلى الله عليه وسلم على تخلّف منافقين عن غزوة تبوك، فعاتبه الوحي في ذلك، قال تعالى " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتّى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " التوبة 43  .
   ب ـ سماحه صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور، بعد أن نهى عنها.
  ج ـ أخذه صلى الله عليه وسلم فدية ماليّة من أسرى بدر بعد استشارة أبي بكر وعمر ، فكان رأي أبي بكر الأخذ، ورأى عمر خلاف ذلك، ثمّ نزل الوحي مقرا رأي عمر .
3  - الاجتهاد:
رافق الاجتهاد العقلي عمليّة التّأسيس الأولى للمنظومة التّشريعيّة، ولم يكن مجتمع المؤمنين يدين بأيّ ولاء لأيّ سلف، ولم تكن له أيّة مرجعيّة غير مرجعيّته الإيمانيّة، فكان ذلك العامل التّاريخي مساعدا لهم على أن يجتهدوا في الوقائع التي لا نصّ فيها، وأن يقولوا فيها برأيهم. / حديث معاذ بن جبل (عَنْ مُعَاذٍ  أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قالَ : أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ ؟ قَالَ : فَبسُنَّةُ رَسُولِهِ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ؟ قال أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو، قَالَ : فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ ِللهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي اللهَ ورسولَه).
4  - الاجماع:
هو اتّفاق علماء المسلمين بعد وفاة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم على حكم لواقعة لا نصّ فيه، وعدّه د. الخادمي "الدّليل الشّرعي بعد النّصّ"، الخادمي، نور الدين، الاجتهاد المقاصدي، كتاب الأمة، العدد 66، سنة 18، 1419ه، ط1 ص 40. وهو نوعان:
 أ ـ إجماع صريح:
وهو أن يُصدر المجتهدون حكما في مسألة سواء كانوا حاضرين في مجمع علمي أو مؤتمر، أو من مواقع التواصل المختلفة، كالاجماع على جواز نقل الأعضاء، واستعمال وسائل النّقل والاتّصال، واستنساخ الحيوان...
أ ـ إجماع سكوتي:
وهو أن يجتهد مجتهد في إباحة مستجدّ أو في تحريمه، وتبلغ فتواه علماء الأمّة فلا يعارضونه فيها.
5  - القياس:
القياس هو إلحاق واقعة لا نصّ فيها بواقعة فيها نصّ عند اشتراكهما في نفس العلّة، ومثال ذلك:
ـ تحريم الخمر في الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )
وعلّة التحريم الاسكار وضياع المال ونشر العداوة بين النّاس.
ألحق المجتهدون الجعة والمخدّرات وسائر المسكرات بهذا الحكم (التّحريم) بسبب إسكارها وما فيها من هدر للأموال ونشر للعداوات.
وعليه، فإن للقياس أربعة أركان أساسية، وهي المقيس (الجعة والمخدّرات)، والمقيس عليه (الخمر)، والحكم (التحريم)، والعلّة (الاسكار وضياع المال ونشر العداوات).
V ـ تأصيل أصول الفقه:  
للفقيه محمد بن إدريس الشّافعي (ت 204 ه)  فضل في تأصيل أصول الفقه في كتابيْه "الأمّ" و "الرّسالة"، وضبط تراتبيّتها ومنهج استخدامها في استنباط الأحكام الشّرعيّة، ثمّ سرى ذلك منه إلى تلاميذه ومعاصريه حتّى استوى "علم أصول الفقه" على هيئته المتداولة بيننا بحرفيّتها، ونالت مقاربته قداسة عند المسلمين تعادل قداسة الوحي أو تفوقها، وإذا حاول أحد مراجعتها، سارعت دوائر الدّين الرّسميّة، وغير الرّسميّة إلى إسكاته بشتّى الوسائل (محنة نصر حامد أبو زيد نموذجا).
لقد كان التّعاطي مع المنظومة التّشريعيّة يتّسم بكثير من العفويّة والبساطة تحت عباءة الإيمان الكبرى، كما في مثال معاذ بن جبل، حتّى ألزم الشّافعي الثّقافة الاسلاميّة قاطبة بأن تسمّي مصادرها التّشريعية بالتّرتيب التّالي: "القرآن / السنّة / الاجماع / قول الصّحابي / القياس"، وهكذا فإنّ الشّافعي لم يؤصّل الفقه الإسلامي فقط، بل شكّل كلّ الذّهنيّة الاسلاميّة، وشكّل أيضا ذائقتها الحضاريّة، ليتحوّل الكمّ الهائل من الآيات القرآنيّة الحاثّة على التّفكّر والتّدبّر وحمل أمانة خلافة الله في الأرض بتعميرها ومعرفة نظمها وقوانينها مجرّد رافد صغير للنّهر العظيم، نهر النّصّ الذي يتعمّد فيه العقل قبل كلّ تفكير وبعده.
 VIـ  أقسام الحكم الشّرعي:  
قسّم الأصوليّون الحكم الشّرعي أقساما مختلفة منها:
1 ـ حكم تكليفي وحكم وضعي:
   أ ـ الحكم الوضعي:
هو ما تعلّق بحالات الحكم الشّرعي ذاته، وليس بفعل المكلّف، وهي خمسة أقسام:
* الصحيح: هو ما توفّرت شروطه مثل عقد الزواج/ أركان الحجّ / ترك المفطرات عند الصّوم...
* الفساد: ما اختل منه شرط من شروط الصحّة إهمالا وتهاونا، مثل ترك ركن من أركان الحجّ...
* الشرط: هو ما كان لازما لتمام أمر (الطّهارة في الصّلاة / حول لزكاة).
* السبب: في بعض الأحكام الشّرعيّة تلازم سبب ومسبّب (الإرث * النّسب / السفر * القصر والافطار).
* المانع: وهو الحاجز الذي لا يقوم الحكم الشّرعي إلا بزواله ( صلاة وصوم / حيض ونفاس).
   ب ـ الحكم التّكليفي:
هو ما تعلّق بالمكلّف ذاته من جهة تلقّيه للحكم الشّرعي، وهو خمسة أقسام:
* الواجب / الفرض: وهو ما كان طلبا على وجه الإلزام، ولا يخالف إلا بعذر شرعي، وهو عيني "على كل مكلّف" مثل الصّلاة والزّكاة وطلب العلم، والعمل... و"كفائي " إذا قام به البعض سقط عن البقيّة كصلاة الجنازة، وإنقاذ الغريق، وردّ السّلام...
* المستحبّ / المندوب: طلب على غير وجه الإلزام، مثل قيام الليل، وصوم التّطوّع والصّدقة...
* الحرام:  نهي على وجه الإلزام، مثل حرمة قتل النّفس بغير حقّ، وحرمة الرّبا، وحرمة الزّنى...
* الكراهيّة:  نهي على غير وجه الإلزام، ومثاله الجلوس في أماكن نجسة، الافراط في المزح...  
* المباح / الحلال: للمكلّف فيه حرّية الاختيار والتّرك، أن المكلّف بالحريّة فله أن يفعل وله أن يترك، وهو كلّ ما لم يكن من أقسام الأحكام الشّرعيّة السّابقة.
تتأسّس هذه الأحكام الشّرعيّة على دعامتي التّكليف وهما:
  أ ـ البلوغ  /  ب ـ العقل. قال صلّى الله عليه وسلّم (رفع القلم عن ثلاث، عن المجنون حتّى يعقل، وعن النّائم حتى يستيقظ، وعن الصّبي حتّى يبلغ)، وقال (رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه).  
VIIـ خاتمة:
فلسفة التّشريع الإسلامي برافديها العظيمين، الاعتقادي والعملي تستمدّ طاقة دفعها وتطوّرها من قبس النّور الإلهي وهو الوحي، ومن جذوة العقل المجتهد، والمجدّد لإقامته الرّمزيّة في العالم، وهي فلسفة متوازنة وذات ديناميّة خلاّقة، ومتجدّدة طالما حفظت للعقل مجال حركته، وصانت حرّيته، واعترفت بإمامته، واتّخذت من الوحي الربّاني مسدّدا وأنيسا، وخارطة طريق إلى الله في التّاريخ.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 83
نقاط : 256
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى