الضّيــــــــــــــاء

الدّرس 5: فلسفة التّشريع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدّرس 5: فلسفة التّشريع

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الأحد نوفمبر 05, 2017 9:07 am

جامعة جندوبة السّنة الجامعيّة: 17-2018
المعهد العالي للدّراسات التّطبيقيّة في الانسانيّات بالكاف السّنة 1 / السّداسي: 1
الدّرس الخامس: فلسفة التّشريع
تمهيد:
في الفكر الإسلامي حوار طويل حول الجانب التّشريعي من حيث حجمُه، ومكانتُه، وعلاقتُه بمختلف مكوّنات الخطاب الدّيني، وأساسا من حيث مساحةُ الاتّباعِ والإبداعِ فيه، وما في كلّ ذلك من إلهي ومن بشري... وقد ترك لنا المهتمّون بهذه المسألة تراثا ثريّا يحتاج دراسة علميّة، وحفرا في عمق الذّهنيّة الإسلاميّة التي فكّرت في التّشريع وبه ومن خلاله... من أجل أن نمتلك هذا المخزون الثّقافي والدّيني المنوّع وأن نعقلنه، وأن نكشف مبادئه ومنطلقاته، ومناهجه، كي نوجّه حركته في اتّجاهين يفتحانه على عصر كتابته، وعلى عصر قراءتنا، وهو المراد من عبارة "فلسفة"، أو كما قال د. الجابري "... من كائنات تراثيّة إلى كائنات لها تراث"... / الجابري، محمد عابد، نحن والتّراث، المركز الثقافي العربي، ط1، 1980، ص19.
لقد أسّس المسلمون علم "الفقه"، وعلم "أصول الفقه" و"القواعد الفقهيّة" و"مقاصد الشّريعة الاسلاميّة" ... لتكوّن مناهج استنباط الأحكام التّشريعيّة من مضانّها، استنباطا يحقّق مصالح "المجتمع المؤمن".
Iـ تعريف التّشريع:
1- لغة: التّشريع: سنُّ قوانين وأحكام.
https://www.almaany.com/
2 – اصطلاحا / شرعا:
التّشريع، والشّريعة والشّرع يراد بها جميعا أحكام الله الاعتقاديّة التي تخصّ العقيدة، وأحكام الله العمليّة المتعلّقة بالعبادات (صلاة، زكاة، صوم، حجّ...) وبالمعاملات كالبيوع والجنايات، والميراث والأحوال الشّخصيّة...
http://azharegypt.net/
هذا التّعريف المنقول من موقع الكتروني لجامعة الأزهر بمصر، يضعنا منذ البداية أمام إشكال منهجي ـ أصولي، تمثّله عبارة "أحكام الله"، فهذه الأحكام وإن وردت في الوحي إلا أنّ العقل هو الذي يستنبطها منه، ويشرحها، ويرسم لها مسالكها الاجرائيّة وطرق تطبيقها، كي تصبح قانونا قابلا للتّنفيذ، وعليه، فإنّ القول بأنّها أحكام الله لا يعدو كونها مبلِّغةً إلى مقاصد الله ، وهي - مؤكّدا - حاملة لخير ولفضيلة.
ورد في الكشّاف ( الشّرع والشّريعة... ما شرع الله لعباده من الأحكام... سواء كانت متعلّقة بكيفيّة عمل وتسمّى فرعيّة وعمليّة، ودوّن لها علم الفقه، أو بكيفيّة الاعتقاد وتسمّى أصليّة واعتقاديّة، ودوّن لها علم الكلام) / التهانوي، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان، ط1، 1996، ص1018).
3- آيات الأحكام:
يقصد بها: ما ورد في القرآن من آيات تتضمّن أوامر ونواهي وحدود... كآية حلّ البيع وحرمة الرّبا، وآية الرّهن، وآيات حدّ الخمر والسّرقة والقذف... وكلّ ما تضمّن حكماً شرعيًّا بنصه، أو بدلالته، أو بسياقه... http://articles.islamweb.net/media/index.php
ويرى أغلب دارسي القرآن أنّ عدد آيات الأحكام فيه خمسمائة آية، ورأى البعض أنّ عددها مائتا آية، ومنهم من جعلها مائة وخمسين آية فقط، وهذا التّضارب في الأرقام مردّه أمران:
أ ـ عدم وجود نصّ توقيفي، يحدّد عددها ومواضعها، وبالتّالي حصل اختلاف في طلبها.
ب ـ تشدّد البعض في إحصاء آيات يتضمّن نصّها عبارة حكم، مثل قوله تعالى (أحلّ لكم / حرّمت عليكم / ولا تقتلوا النّفس ...)، وتغاضوا عن غيرها، يقول الصّنعاني ( حصروا ذَلِك فِي خَمْسمِائَة آيَة... وَلَا دَلِيل على حصرها وكل الْقُرْآن وآياته دَالَّة على الْأَحْكَام) / الصّنعاني، محمد بن إسماعيل، إجابة السّائل شرح بغية الآمل، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط 2، 1988 ، ص 384، خلافا لعادة عرب يترفّلون في لغتهم، حيث أنّهم يطلقون فعل الأمر ويريدون به الوجوب (قال تعالى: "وأقيموا الصّلاة" "البقرة 43") أو الاستحباب (قال تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" "النور 33")، أو الإباحة (قال تعالى: "كلوا واشربوا" "الحاقّة 24") أو الدّعاء (قال تعالى: "ربّ اغفر لي" "نوح 28") أو المشورة (قال تعالى "فانظر ماذا ترى" "الصافّات 102") أو التّعجيز (قال تعالى: فأتوا بسورة "البقرة 23")...
كما يطلقون النّهي ويريدون به التّحريم (قال تعالى: "ولا تقتلوا النّفس" "الإسراء 33")، أو الدّعاء (قال تعالى: "ربّنا لا تزغ قلوبنا") أو بيان العاقبة (قال تعالى: "ولا تحسبنّ الله غافلا إبراهيم 42")، أو الكراهيّة ( قال تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" "المائدة 101")... ولمن أراد توسّعا في ذلك فليطلبه من الشّوكاني في مؤلَّفه "إرشاد الفحول"، (من الصفحات 452... 498...).
4 - اهتمام المسلمين بآيات الأحكام:
أكثر المسلمون من التّأليف في آيات الأحكام سواء في كتب حملت عنوان المبحث، ومنها:
كتاب "جامع البيان في تأويل القرآن" لمحمد بن جرير الطبري.
كتاب أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي.
كتاب أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي.
كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص.
وبعضهم بثّها في تفاسير، وفي كتب علوم القرآن، وفي كتب أصول الفقه.
IIـ حوار العقل والنّقل في التّشريع:
نقصد بـ"النّقل" "السّمع" أو "الشّرع" أو "الوحي" أو "الأثر "، وهي نصوص القرآن والسّنة المعتمدة مرجعا روحيّا وفكريّا ومذهبيّا، وتقابلها جميعا مصطلحا "العقل" أو" الرّأي"، وعليه، فإنّنا نسعى إلى تحديد مجال العقل والوحي في التّشريع، وقد سبق لنا إثارة ثنائيّة "الإلهي والبشري" في آيات الأحكام، وفي التّشريع عموما، ونبسطها بتفصيل من خلال الملاحظات المنهجيّة التّالية:
ـ آيات الأحكام إلهيّة من حيث مصدرُها، ونصُّها، كونها قرآنا متلوّا من الله تعالى، أمّا من حيث فهمها، وتفسيرها، واستنباط القوانين منها، وضبط شروط تطبيق تلك القوانين على الحالات المناسبة لها، وذكر الظّروف الاستثنائيّة التي ترفع العمل بها... فكلّها ممارسات عقليّة، اجتهاديّة، بشريّة... وفي هذا السّياق يمكن أن طرح السّؤال التّالي: "هل أنّ آيات الأحكام ناطقة بمراد الله التّشريعي ؟" أم هي "ناطقة بمراد الله التّشريعي كما فهمته عقول الفقهاء والمجتهدين في عصر معيّن وفي مجتمع بالذّات؟"
بين السّؤالين مسافة نقديّة شاسعة تفصل بين التّوجّه التيوقراطي، المدّعي النّطق باسم الله، وباسم شرعه، وبينّ التّوجّه العقلاني الإنساني الذي يعتبر التّرسانة التّشريعيّة وكلّ العطاء الثّقافي الإسلامي مشروعا مفتوحا على احتمالات لا محدودة ولا مقطوعة من إثراءات ومراجعات وإضافات ساعية قدما إلى تحقيق مقاصد الشّرع السّمحة، يقول خلاّف (فمن خواص القرآن أن ألفاظه ومعانيه من عند الله، وأنّ ألفاظه العربية هي التي أنزلها الله على قلب رسوله) / خلاّف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، دار الفكر العربي بالقاهرة، 1996، ص 26.
ارتطم الباحث (خلاّف) بقداسة الموروث الدّيني والفكري، فتحرّش به قليلا، ثم نكص تاركا ملاحقة المعنى إلى مداه "القصووي" كما يقول الفيلسوف سليم دولة، وإلا فما الجِدّة في قوله؟ فحتّى صغار الولد يعلمون ذلك، ويقولونه بعباراته، وبما أفضل منها، وعليه، فإنّه قد سكت عن كشف مساحة العقلي والبشري في بنية الخطاب الدّيني نفسه، وكان لمحمّد أركون شرف الإبانة عن ذلك في مشروعه الفكري، سيّما وهو ينعم بريح الحريّة في الغرب، لا تطاله فيها يد إكليروس ديني ولا عصا مستبد سياسي.
ـ محدوديّة عدد آيات الأحكام ـ وإن كانت خمس مائة آية ـ أخذا بالرّواية الأكبر عددا، فإنّها بعيدة تمام البعد عن تحقيق الكفاية من القوانين للمسلم في بعديه الدّيني والدّنيوي، وفي مجاله الفردي والمجتمعي والدّولي، حينئذ تتحوّل آيات الأحكام الواردة في الشّرع إلى منارات يهتدى بها في رحلة الاستنباط الطّويلة والمتواصلة، والتي يضطلع بها العقل، أساس الاستخلاف وقاعدته، يقول الغزالي(إنّ البيان الشرعيّ المتمثّل في الكتاب والسنّة قاصرٌ، ولا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة، ولا يتّسع لتعيين الحكم الشرعيّ في كثيرٍ من القضايا والمسائل لكثرتها وتجدّدها ) / الغزالي، أبو حامد، المنخول في علم الأصول، دار الفكر سوريا، ط3، 1419ه، ص 596.
ـ المنظومة التّشريعيّة تقوم على تبويب لمجالاتها، وتفصيل لمواضيعها، وتفريع لأحكامها، حتّى يسهل على رجال القانون، ومؤسّسات القضاء والافتاء الوصول إلى الأحكام بأيسر مجهود، وفي أقصر وقت، وهذه المنهجة أو الفهرسة، أو التّبويب عمل عقلي بلا نزاع، فدلّ ذلك على أنّ أساس التّشريع اجتهاد عقلي، وأنّ المتوصّل إليه فيه اجتهاد بشري يروم الاقتراب من مراد اللّه.
IIIـ خصائص التّشريع الإسلامي:
1 - البشريّة:
لا ذكر لهذه الخاصّيّة في الكتابات الأصوليّة التّقليديّة في الفكر الإسلامي تبعا لسيطرة "نظرة سبحانيّة" عليه كما يقول الفيلسوف سليم دولة في جراحاته، ترى أنّ قدسّية الله لا تكتمل إلاّ بمصادرة كاملة لحرّيّة الانسان وفاعليّته، ولحقّه في أن يرسم لنفسه بنفسه طرق عبادة ربّه في التّاريخ.
هذه الكتابات تتداول بدلا عن هذه الخاصيّة خاصيّة "الربّانيّة" لتقول فيها إنّ هذه الشّريعة ربّانية في مصدرها، وفي توجّهها وفي هدفها، في حين أنّنا قد بيّنّا بشريّتها من حيث أنّ الانسان هو هدفها والمخاطب بها، والمكلّف بفهمها واستنباطها وتطبيقها والمنزّلة هداية له وحجّة عليه إلى يوم الدّين... وهذه الميزات مجتمعة تعطي للشّريعة الاسلاميّة قدسيّة مضاعفة بتحميلها الانسان مسؤولية خلافة الله في الأرض تامّة غير مجتزأة، وغير مستلبة، والله يعبده الأحرار الكرماء، عبادة أكمل من عبادة العبيد الأذلاّء.
2 - الواقعيّة:
تتجلّى الواقعيّة في التّشريع الإسلامي في الاعتراف بكل أبعاد الإنسان (روح، جسد، عقل)، وفي سنّ تشريعات تحفظها، وتكفل توازنها، قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة، الآية 286. وشرّع رخصا في كل العبادات للتّخفيف على المضطرّين وعلى أصحاب الأعذار (تيمم بدلا عن غسل أو وضوء، قصر صلاة رباعية لمسافر ، إفطار رمضان لمريض ولمسافر ولمرضعة...).
ومن الواقعيّة سكوت الشّرع عن تفصيل أحكام تتعلّق بمعاش النّاس، وبمنوالهم الاقتصادي والسّياسي... لتبقى مرسلة إلى الاجتهادات البشريّة حسب مقتضيات الواقع المتغيّر والظّروف التّاريخيّة المتطوّرة.
3 - الشّمول:
نعني بهذه الخاصّيّة شمول الشّريعة لمناحي الحياة، ولمتطلّبات الدّنيا والآخرة، والشّمول منهج وليس تعرّضا لأدقّ التّفاصيل، لأنّ الشّرع لو فصّل كلّ مناحي الحياة لَلَحِق النّاس من ذلك حرجٌ، بسبب التّغيير السّريع والمتلاحق في نمط حياتهم وتفكيرهم ووسائل إنتاجهم... قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، سورة الحجّ ، الآية 78.
4 - العالميّة:
أحكام الشّرع الإسلامي ومقاصده عالميّة، تبيح للإنسان - مطلق الانسان - الطّيّبات، وتحرّم عليه الخبائث، لصون حقوق الآدمييّن، وسدّ الذّرائع لظلمهم وقهرهم، تحقيقا للاستقرار الاجتماعي، ولتوطين السّلم العالمي، خلافا لشرائع عديدة تهب لأتباعها امتيازات وأفضليّة لمجرّد العصبيّة والانتماء، فشريعة اليهود المحرّفة، تحرّم على اليهودي سرقة يهودي آخر، وتجيز له سرقة أمّي (لا كتاب سماوي له).
وما نسمعه في ثقافتنا المعاصرة عن شريعة المجتمع الدّولي القائمة على مبدأ "الكيل بمكيالين"، وما تسبّبه من قهر للشّعوب دليل بطلان مرجعيّتها القانونيّة والأخلاقيّة...
5 - المقاصديّة أو البعد المقاصدي في الشّريعة:
المقاصد هي الأهداف والغايات التي تسعى الشريعة الاسلاميّة تركيزها في السّلوك الفردي والجماعي، وفي الواقع المحلّي والعالمي، وهي مقاصد خيّرة، نبيلة، انسانيّة، عادلة...، يقول ابن عاشور (لكنّ المتدبّر إذا تدبّر في تلك التّشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور). / ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشريعة الاسلاميّة، طباعة وزارة الأوقاف القطريّة، 2004، ص 36.
من هذه الأهداف الإخاء، المساواة، الحرّيّة، الكرامة، العدل، العدالة... وقد تظافرت أحكام الشّريعة الاسلاميّة في التّعريف بهذه الأهداف، وفي تيسير السّبل لنيلها، وإلزام المسلمين بحفظها، ومواصلتها في درب كمالها، وعليه، فإنّ آيات الأحكام وكل الشّرائع هي طريق إلى تحقّق تلك الكمالات البشريّة، وسعي دؤوب إلى تمثّلها في الواقع، وهي - بالتّبعة - منفتحة على الاجتهادات التي لا تخرج بها عن مسارات مقاصد الخير والفضيلة.
أمّا القائلون بظاهر النّصوص، فقد ضيّقوا واسعا، وعسّروا سهلا، وبعّدوا قريبا بدعوتهم إلى الالتزام الحرفي بنصوص الأحكام المحدودة في عددها وفي مجالها، وجرّ الواقع جرّا إلى الإذعان إليها، زعما منهم أنّ ذلك من تمام توحيد الألوهيّة، والاعتراف بحاكميّة الله وشرعه، دون اكتراث بما يحدث في حياة النّاس من مستجدّات تقنية وطبية وثقافية... وليس لها في الشّرع حكم، يقول محمد عبد العاطي (كانت معرفة هذه المقاصد من أهمّ ما يستعان به على فهم النّصوص الشّرعيّة وتطبيقها على الواقع، والاستدلال على الحكم فيما لا نصّ فيه) / محمد عبد العاطي، محمد علي، المقاصد الشّرعيّة وأثرها على الفقه الإسلامي، دار الحديث بالقاهرة، 2002، ص 7.
إنّ النّزعة المقاصديّة من شأنها أن تؤسّس للنّسقيّة التي تقرأ النّصوص الجزئيّة، والمتقاربة في سياق نسق عام يجمع بينها، فيردّ الخاص إلى العام، والمنسوخ إلى النّاسخ، والمقيّد إلى المطلق، والمتشابه إلى المحكم... في ثنائيات تصرف عن الأحكام ما يظهر فيها من تعارض لمن يقرأها خارج سياقها، وبمعزل عن مقصدها.
IVـ منهج تكوين المنظومة التّشريعيّة في الاسلام:
مصادر التّشريع في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم قرآن وسنّة، واجتهادات صحابة، إذا بلغ خبرها النّبي صلّى الله عليه وسلّم ووجدها متّسقة مع الخط الرّسالي العام، ومع مقاصد الشّرع، وافقهم عليها، فصارت "سنّة تقريريّة"، وبصفة إجماليّة، فإنّ المنظومة التّشريعيّة في عهده صلّى الله عليه وسلّم تتكوّن من:
1 - آيات أحكام نزلت ابتداء:
كانت آيات الأحكام تنزّل على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في فترات مختلفة، وحسب طبيعة المرحلة التي تمرّ بها الدّعوة ثمّ الدّولة، ونزولها على هذا النّحو من التّسديد الربّاني يسمّى "ابتداء". ويقابل هذا النّمط من آيات الأحكام "ما نزل بسبب"، وهذه خصلة فارقة في القرآن الذي ظل يتنزّل على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم طيلة ثلاثة وعشرين سنة، تفاعل خلالها الوحي تفاعلا مباشرا مع التّحديات التي واجهت "جماعة المؤمنين" حسب عبارة محمّد أركون، ثمّ واجهت بعد ذلك الدّولة الاسلاميّة حديثة العهد بالنّشأة.
تجلّى هذا النّزول المتفاعل مع الواقع ومع حركة التّاريخ من خلال:
أ ـ إجابة عن أسئلة مباشرة من جماعة المؤمنين على صاحب الدّعوة صلّى الله عليه وسلّم، وكانت الآيات تتنزّل بصيغة جوابية تفاعليّة واضحة (يسألونك عن ... قل)، كما في الأمثلة التّالية:
يَسأَلونَك عن الأهلة قل...
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ...
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ...
يَسْأَلُونَكَ عن الخمر والميسر قل...
ويَسْأَلُونَكَ عن اليتامي قل...
ويَسْأَلُونَكَ عن المحيض قل...
يَسْأَلُونَكَ ماذا أحل لهم قل ...
يَسْأَلُونَكَ عن الأنفال قل...
ب ـ تفاعلا مع حادث أو اشكاليّة... كما في الأمثلة التّالية:
قال تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها...) سورة المجادلة، الآية 1.
قال تعالى (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى...). سورة عبس، الآية 1.
(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) / سورة البقرة، الآية 115. قال تعالى
3 - أحاديث أحكام:
مثّلت أقوال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته مصدرا سخيّا لإخصاب المنظومة التّشريعيّة الاسلاميّة في طورها التّأسيسي، غير أنّ بقاء تداول الأحاديث شفويّا وتأخر جمعها قد سهّل على كثيرين التّلاعب بالمخزون الحديثي لأغراض مختلفة، ورغم تصدّي محدّثين لغربلة السّنن من الإضافات (البخاري، مسلم، الربيع بن حبيب الفراهيدي...) فإنّ أكثر ما صحّحوه منها أحاد، وقليلها متواتر، ومن أمثلة التّشريع بالسّنّة النّبويّة.
أـ موافقته صلى الله عليه وسلم على تخلف منافقين عن غزوة تبوك، فعاتبه الوحي في ذلك، قال تعالى " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتّى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " التوبة 43 .
ب ـ سماحه صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور، بعد أن نهى عنها.
ج ـ أخذه صلى الله عليه وسلم أخذ فدية ماليّة من أسرى بدر بعد استشارة أبي بكر وعمر ، فكان رأي أبي بكر الأخذ، ورأى عمر خلاف ذلك، ثمّ نزل الوحي مقرا رأي عمر .
4 - الاجتهاد:
رافق الاجتهاد العقلي عمليّة التّأسيس الأولى للمنظومة التّشريعيّة، ولم يكن مجتمع المؤمنين يدين بأي ولاء لأي سلف، ولم تكن له أيّة مرجعيّة غير مرجعيّته الإيمانيّة، فكان ذلك العامل التّاريخي مساعدا لهم على أن يجتهدوا في الوقائع التي لا نصّ فيها، وأن يقولوا فيها برأيهم. / حديث معاذ بن جبل (عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قالَ : أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ ؟ قَالَ : فَبسُنَّةُ رَسُولِهِ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ؟ قال أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو، قَالَ : فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ ِللهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي اللهَ ورسولَه).
5 - تأصيل أصول الفقه:
للفقيه محمد بن إدريس الشّافعي (ت 204 ه) فضل في تأصيل أصول الفقه في كتابيه "الأمّ" و "الرسالة"، وضبط تراتبيّتها ومنهج استخدامها في استنباط الأحكام الشّرعيّة، ثمّ سرى ذلك منه إلى تلاميذه ومعاصريه حتّى استوى "علم أصول الفقه" على هيئته المتداولة بيننا بحرفيّتها، ونالت مقاربته قداسة عند المسلمين تعادل قداسة الوحي أو تفوقها، وكل من حاول مراجعة علم أصول الفقه إلا وسارعت دوائر الدّين الرّسميّة، وغير الرّسميّة إلى إسكاته بشتّى الوسائل.
لقد كان التّعاطي مع المنظومة التّشريعيّة يتّسم بكثير من العفويّة والبساطة تحت عباءة الإيمان الكبرى، كما في مثال معاذ بن جبل، حتى ألزم الشّافعي الثّقافة الاسلاميّة قاطبة بأن تسمّي مصادرها التّشريعية بالتّرتيب التّالي: "القرآن / السنّة / الاجماع / قول الصّحابي / القياس"، وهكذا فإنّ الشّافعي لم يؤصّل الفقه الإسلامي، بل شكّل كلّ الذّهنيّة الاسلاميّة، وشكّل أيضا ذائقتها الحضاريّة، ليتحوّل الكمّ من الآيات القرآنيّة التي تحثّ مجتمع المؤمنين على التّفكّر والتّدبّر وحمل أمانة خلافة الله في الأرض بتعميرها ومعرفة نظمها وقوانينها مجرّد رافد صغير للنهر العظيم، نهر النّصّ الذي يتعمّد فيه العقل قبل كلّ تفكير وبعده.
V ـ أقسام الحكم الشّرعي:
عرّفنا الحكم الشّرعي بأنّها التّشريعات المنظّمة لاعتقاد المؤمن ولأعماله ذات البعد الدّيني، وذات البعد الدّنيوي المعيشي، وهو مستفاد من حركة العقل نحو الوحي تلاوة وفهما واستنباطا، وقد قسّم الأصوليّون الحكم الشّرعي أقساما مختلفة:
1 ـ حكم تكليفي وحكم وضعي:
الحكم الشّرعي قسمان تكليفي ووضعي:
أ ـ الحكم الوضعي:
هو ما تعلّق بحالات الحكم الشّرعي ذاته، وليس بفعل المكلّف، وهي خمسة أقسام:
* الصحيح: هو ما توفّرت شروطه مثل عقد الزواج/ أركان الحجّ / ترك المفطرات عند الصّوم...
* الفساد: ما اختل منه شرط من شروط الصحّة إهمالا وتهاونا، مثل ترك ركن من أركان الحجّ...
* الشرط: هو ما كان لازما لتمام أمر (الطّهارة في الصّلاة / حول لزكاة).
* السبب: في بعض الأحكام الشّرعيّة تلازم سبب ومسبّب (الإرث * النّسب / السفر * القصر والافطار).
* المانع: وهو الحاجز الذي لا يقوم الحكم الشّرعي إلا بزواله ( صلاة وصوم / حيض ونفاس).
ب ـ الحكم التّكليفي:
هو ما تعلّق بالمكلّف ذاته من جهة تلقّيه للحكم الشّرعي، وهو خمسة أقسام:
* الواجب / الفرض: وهو ما كان طلبا على وجه الإلزام، ولا يخالف إلا بعذر شرعي، وهو عيني "على كل مكلّف" مثل الصّلاة والزّكاة وطلب العلم، والعمل... و"كفائي " إذا قام به البعض سقط عن البقيّة كصلاة الجنازة، وإنقاذ الغريق، وردّ السّلام...
* المستحبّ / المندوب: طلب على غير وجه الإلزام، مثل قيام الليل، وصوم التّطوّع والصّدقة...
* الحرام: نهي على وجه الإلزام، مثل حرمة قتل النّفس بغير حقّ، وحرمة الرّبا، وحرمة الزّنى...
* الكراهيّة: نهي على غير وجه الإلزام، ومثاله الجلوس في أماكن نجسة، الافراط في المزح...
* المباح / الحلال: للمكلّف فيه حرّية الاختيار والتّرك، أن المكلّف بالحريّة فله أن يفعل وله أن يترك، وهو كلّ ما لم يكن من أقسام الأحكام الشّرعيّة السّابقة.
تتأسّس هذه الأحكام الشّرعيّة على دعامتي التّكليف وهما:
أ ـ البلوغ:
ب ـ العقل.
قال صلّى الله عليه وسلّم رفع القلم عن ثلاث، عن المجنون حتّى يعقل ، وعن النّائم حتى يستيقظ، وعن الصّبي حتّى يبلغ.

VI ـ خاتمة:
فلسفة التّشريع الإسلامي برافديها العظيمين، الاعتقادي والعملي تستمدّ طاقة دفعها وتطوّرها من قبس النور الإلهي وهو الوحي، ومن جذوة العقل المجتهد، والمجدّد لإقامته الرّمزيّة في العالم، وهي فلسفة متوازنة وذات ديناميّة خلاّقة، ومتجدّدة طالما حفظت للعقل مجال حركته، وصانت حرّيته، واعترفت بإمامته، واتّخذت من الوحي الربّاني مسدّدا وأنيسا، وخارطة طريق إلى الله في التّاريخ.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى