الضّيــــــــــــــاء

الدّرس 4: النّبوّة والوحي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدّرس 4: النّبوّة والوحي

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الأحد نوفمبر 05, 2017 9:10 am

جامعة جندوبة السّنة الجامعية: 17-2018
المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الانسانيات بالكاف السنة 1 / السداسي: 1
المادّة: التربية والتّفكير الإسلامي / المحور: عقيدة. تنشيط: أ عمر الهرهوري
الدّرس الرّابع: النّبوّة والوحي
تمهيد:
ارتبط مبحث النّبوّة بحراك ثقافي وروحي باعتبارها تمثّل صلة بين عالم السّماء وعالم الأرض، بين عالم الإله وعالم الانسان، بين الغيب والشّهادة، بين المطلق والنّسبي، وقد مثّلت نقطة الالتقاء هذه مشغلا عقليّا، و بُحثت من جهة إمكانها، وصور التقائها، ومن جهة مضمونها وشروطها... وغير ذلك، وتراوحت تلك المباحث بين مبرهن عليها، وبين مشكّك فيها وقادح...
لقد جرت سنّة الباحثين على تناول مبحث النّبوّة من خلال المقاربة المنهجيّة التّالية:
I ـ تعريف النّبوّة:
1- لغة:
النَّبَأُ: الخبر، والجمع أَنْبَاءٌ... والنّبْوَة الارْتِفاع...قال ابن سيده: النّبْوَ العُلُوُّ والارْتِفاعُ، لأَنّ النّبي أَرفع خلق الله...
والنَّبيّ هو الذي أَنْبأَ عن الله... /وتنبّأ الرَّجل: ادّعَى النُّبوءة.
http://www.baheth.net
2 - اصطلاحا:
النّبوّة هي إخبار انسان عن الله بغير واسطة بشر مثله، وهي وظيفة إلهيّة يسندها الله تعالى لمن ينتخبه من خير خلقه و يختاره فيرسله إلى سائر النّاس لإرشادهم إلى ما فيه نفعهم في الدّنيا والآخرة.
).https://www.islam4u.com/ar
ذكر القرآن قائمة الأنبياء، وبثّ نتفا من أخبارهم مع أقوامهم، ولكن ينبغي لنا أن ننبّه إلى أنّ قائمة أسمائهم المذكورة في القرآن قد وردت في سياق ضرب الأمثلة، وليست للحصر، يقول الله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) / سورة غافر، الآية 78. وهم:
آدم عليه السلام إدريس عليه السلام نوح عليه السلام هود عليه السلام صالح عليه السلام لوط عليه السلام إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام إسحاق عليه السلام يعقوب عليه السلام يوسف عليه السلام شعيب عليه السلام أيوب عليه السلام ذو الكفل عليه السلام يونس عليه السلام موسى عليه السلام هارون عليه السلام الياس عليه السلام اليسع عليه السلام داوود عليه السلام سليمان عليه السلام زكريا عليه السلام يحيى عليه السلام عيسى عليه السلام محمد. صلى الله عليه وسلم
https://vb.elmstba.com/t10424.html
إنّ تأكيد القرآن على مبدأ عدم قصّ أخبار كلّ الأنبياء والرّسل فيه حكم منها:
ـ أنّ القرآن كتاب هداية، وليس كتاب تاريخ أو سير ...
ـ الاعتراف الثقافيّ بوجود عمليّات تسديد وتوجيه لمسيرة البشريّة من عقلاء وفقهاء ومصلحين وفلاسفة يرتقي عطاؤهم الإصلاحي، الخيّر إلى مصاف النّبوّة، أو من سمّاهم الشّهرستاني "من له شبهة كتاب".
ـ الرّعاية الإلهيّة للبشريّة أكبر من أن يحيط بها حصر أو عدّ.
3 - الفرق بين الأنبياء والرّسل:
من الباحثين من يستعمل المصطلحين بمعنى واحد، ومنهم من جعل بينهما فرقا، يتمثّل في الرّسالة والتّبليغ، فالنّبوّة يمكن أن تكون نورا خصّ الله به أحد أصفيائه لتذكيره بهدي سابق، وليهديه به، وليشعّ النّبي بما أوتي على أقربيه، قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ / سورة الأعراف، الآية 85.
وبالتّالي لا يقوم ذلك التّذكير مقام الرّسالة الجديدة، بينما يكون الرّسول صاحب وحي قولي وفعلي أوسع مجالا من وحي النّبوّة، ويرسل به إلى قوم أو أقوام، ويكون تبليغ الرّسالة إليهم فرضا على الرّسول، وتكون رسالته نسخا لما قبله في ما قلّ من الشّرائع أو كثر:
آيات تحدّد مجال النّبوّة:
سورة الأعراف، الآية 73. قال تعالى: وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ /
/ سورة النّمل، الآية 45. قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ
قال تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ / سورة الأعراف، الآية 65.
) / سورة العنكبوت، الآية 27. قال تعالى ( ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) / سورة الأعراف، الآية 59. قال تعالى(
قال تعالى( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) / سورة الجاثية، الآية 16.
آيات تحدّد مجال الرّسالة:
قال تعالى (لقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)/ سورة آل عمران ، الآية 164.
قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) / سورة الاسراء ، الآية 15.
قال تعالى( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ)/ سورة غافر ، الآية 78.
قال تعالى( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )/ سورة الأنبياء ، الآية 107.
) / سورة البقرة ، الآية 21. قال تعالى ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
نستنتج من الآيات السّابقة ما يلي:
* علاقة السّماء بالأرض متواصلة لا انقطاع فيها عبر التّاريخ، وأعطى الله مدده لأصفيائه لهداية النّاس، وإعادتهم إلى مسار العبادة، وتعمير الأرض، قال تعالى: (وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) / سورة النساء، الآية 164.
* الأنبياء والرّسل يوحى إليهم، ويتلقّون من عالم الغيب نورا يهتدون به، ويشعّون به على غيرهم.
* خطاب النّبوّة محدود في مداه، وفي المعنيّين به (أخاهم / ذريته / قومه / قوم / بني إسرائيل ...)
* خطاب الرّسالات أوسع مدى من النّبوّات (المؤمنين / أمة / ...هم / ... كم / العالمين / النّاس...).
4 ـ وظائف الأنبياء:
من وظائف الأنبياء والرّسل في القرآن:
* التّبليغ عن الله تعالى ما يوحى إليهم، قال تعالى:َ ( أبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) / سورة الأعراف ، الآية 62.
* الإجابة عن الأسئلة الوجوديّة الكبرى ، قال تعالى:َ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)/ سورة الأنعام، الآية 2.
* الدّعوة إلى الايمان بالوحي بالحكمة والاقناع، قال تعالى( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينُ) / سورة الأعراف ، الآية 68.
* تذكير النّاس بالمقصد من خلقهم، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) / سورة الذّاريات، الآية 56.
* تبصير النّاس بحقيقة الرّبوبيّة والألوهيّة: قال تعالى: ( وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) / سورة الحديد ، الآية 8.
* الدّعوة إلى الانخراط الطّوعي في المشروع الرّسالي، قال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا )/ سورة النازعات ، الآية 45.
* تذكير النّاس بالقيم التي تحقّق استقرارهم الفردي والمجتمعي، قال تعالى:َ ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) / سورة الشّورى ، الآية 52.
* التّذكير بالمسؤوليّة الوجوديّة، قال تعالى:َ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا) سورة النساء، الآية 136.
)/ سورة المُلك، الآية 15. * تركيز معنى شامل للعبادة، قال تعالى:َ (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
5 ـ معنى ختم النّبوّة:
وصف القرآن نبوّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بأنّها خاتمة الرّسالات والنّبوّات، إيذانا باكتمال حلقات الوحي الإلهي الموجّه إلى البشر، يقول الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) / سورة الأحزاب، الآية 40.
ينفتح معنى ختم النبوّة على أمرين:
ـ أ ـ وحدة الرّسالات والنّبوّات في نظر الاسلام، فرسالة محمّد صلى الله عليه وسلّم حلقة من سلسلة طويلة من التّكريم الإلهي للإنسان في التّاريخ، وقد أحيت من شرائع الأنبياء والرّسل السّابقين ما نسيته العقول، وما سقط من الصّحف، وأضافت إليه قيما ومناهج وأحكاما تناسب الطّور التّاريخي الذي بلغته البشريّة، وفتحت الأذهان على مقاصد الخير والصّلاح حتى يخصّبها العقل باجتهاداته وإثراءاته في اتّجاه تمثّل أكمل لها، وقد شبّه الرسول مشروع النّبوّة ببناء كمُلت لِبَنَه ببعثته الشّريفة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ : هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ؟ قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ".
وقريب من هذا الاستنتاج قول المفكّر محمد إقبال: "إنّ النّبوّة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإنّ الإنسان، لكي يحصّل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يُترك ليعتمد في النّهاية على وسائله هو" / (إقبال، محمد، تجديد التفكير الديني في الإسلام، دار الهداية 2000 ، ص 149)
ب ـ فطام العقل، ودعوته إلى تحمّل مسؤوليّته في التّاريخ.
6 ـ صفات الأنبياء والرّسل عليهم السّلام:
يتّصف الأنبياء والرّسل بصفات خلقيّة وخلقيّة ومعرفيّة تجعلهم جديرين بالتّلقّي عن الله تعالى وحيه، وإبلاغه إلى النّاس إبلاغا أمينا وبيّنا، قال تعالى ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ / سورة الأنعام )، الآية 124، ومن هذه الخصال:
الأمانة والصّدق، قال تعالى( ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتينَ )/ سورة الحديد، الآية 44-45.
الصّبر عند التلقّي، والصّبر عند مكابدة عناء التّبليغ: قال تعالى:َ فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ / سورة الأحقاف، الآية 35.
الحكمة، و تبسيط الخطاب للمخاطبين به، قال تعالى( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) / سورة الحديد، الآية 25.
العصمة: وهي التّنزّه عن الصّفات القبيحة التي تخلّ بخصال النّبوّة من حيث التلقّي والابلاغ، ولا يعني ذلك أنّهم لا يقعون في أخطاء تصرّف في حياتهم اليوميّة تبعا لصفتهم البشريّة، واستيلاء النّقص على البشر، فهم يأكلون، ويشربون، ويتناسلون، ويفرحون، ويغضبون، ويجتهدون في معاشهم، فيصيبون، ويخطئون أحيانا، فالعصمة في أخلاقهم، وفي علاقتهم بالوحي تقبّلا وبثّا.
قال تعالى:َ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ / سورة الأنبياء، الآية 25.
إنّ النّبوّة في القرآن قد توشّحت بوشاح التّقوى والنّزاهة والصّلاح والبرّ والاستقامة... حتّى صارت النّموذج الملهم للمؤمنين، ومدرسة مكارم وفضائل، ومثلا أعلى لدارسيها، جمعت كل صور الصّدق والبذل والإخلاص والإيثار والنّزاهة... وهذه النّظرة الفارقة قد شملت كلّ أنبياء الله عليهم السّلام، بل لقد جعل الإسلام من التّصديق بالأنبياء السّابقين ـ من آدم إلى عيسى ـ جزءا لا يتجزّأ من قضيّته الايمانيّة، وأساسا من أسس اكتمال الاعتقاد، وهذه مسألة جديرة بالبحث إذ مثّلت قطيعة ابستيمولوجيّة مع رؤية صاغتها أسفار التّوراة والتّلمود وتحدّث اليهود فيها عن أنبيائهم حديث سُوقَةٍ عن سُوقَةٍ، وبفُحش لا تتّسع له المقامة الدّيناريّة للهمذاني.
II ـ مفهوم الوحي وطرقه:
1 ـ تعريف الوحي:
أ لغة: قال ابن منظور : (الوحي في اللّغة كلها إعلام في خَفاء) / ابن منظور، جمال الدّين ، لسان العرب / النّسخة المرقمنة
http://www.baheth.net/
. ب شرعا: الوحي في الشّرع إعلام الله تعالى مَن اصطفاه مَن عباده كلَّ ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرِّيَّة خفيَّة غير معتادة للبشر.
http://www.alukah.net/sharia/0/8045/#ixzz4wcxbD5oD
تزخر كتب السّيرة، وكتب الحديث بأخبار عن طرق التّلقّي الخاصّة بالرّسول صلّى الله عليه وسلم، وما يجده في عمليّة التّلقّي من إجهاد روحي ونفسي وجسدي بسبب اختلاف بيّن بيْن طبيعة روع النّبي وعقله، وبين طبيعة الموحَى به، ولمن أراد في ذلك توسّعا فقد أرشدناه إلى حيث ضالّته.
يُماهي سبينوزا بين الوحي والنّبوّة باعتبار أنّ أحدهما يقتضي الآخر اقتضاء، فلا وحي إلا لذي نبوّة، ولا وجود لنبيّ لم يتلق من الغيب وحيا، يقول: (النّبوّة أو الوحي هي المعرفة اليقينيّة التي يوحي بها الله إلى البشر عن شيء ما. والنّبيّ هو مفسّر ما يوحي الله به لأمثاله من النّاس الذين لا يقدرون على الحصول على معرفة يقينيّة به ولا يملكون إلاّ إدراكه بالإيمان وحده). / رسالة في اللاّهوت والسّياسة، ص 119.
وقد ذهب كثير من الباحثين إلى الاعلاء من شأن الوحي بالتّأكيد على أنّه هبة إلهيّة، لا تنال بالمجاهدة والتأمّل وبشتى الرّياضات الفكريّة، لقطع الطّريق على من قال بقدرة الفلاسفة والمتصوّفة على بلوغ العلم الإلهي وهم الذين عرفوا بصفاء نفوسهم، وتحرّرهم من المطالب اليوميّة الفانية، وإقبالهم المنتظم على ضروب من التّأمّل والتّهجّد والتّحنّف...
وهذا الموقف نسبيّ ـ في تقديرنا ـ إذا أخذنا بعين الاعتبار تجربة التحنّث الطّويلة التي كان مارسها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قبل بعثته الشّريفة في غار حراء، والتي تُوّجت بالمِنّة الإلهيّة، وعليه لا تعارض بين القول بأنّها مكرمة من الله، وبين القول إنّ في الأنبياء والرّسل استعدادات روحيّة وأخلاقيّة تجعل تلقّيهم للاعلام الإلهي، و صدوعهم به - تاليا - أمرا ممكنا.
2 ـ طرق الوحي:
تحفل كتب التّفسير وكتب السّيرة وكتب الحديث... بتفريعات عديدة لطرق نزول الوحي الإلهي على فؤاد الرّسولصلّى عليه وسلّم ، وتستند كلّها إلى كم هائل من الأحاديث والأخبار التي تحتاج تحقيقا وتدقيقا في سلامة مسانيدها ومتونها، وعليه نكتفي بطرقه الواردة في القرآن، وهو نصّ كاف، يقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51.
وعليه، فإنّ طرق الوحي المذكورة في الآية تنقسم إلى:
الأول: عن طريق الوحى، وهو الإعلام في خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء في القلب يقظة أو مناما، ويشمل الإلهام والرؤيا المناميّة...
والثّاني: عن طريق الإسماع من وراء حجاب ـ بمعنى حاجزـ فيسمع النّبي صلّى عليه وسلّم كلاما دون أن يرى من يكلّمه ... وهذا الطّريق هو المقصود بقوله تعالى: "أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ".
والثّالث: عن طريق إرسال ملك، وظيفته أن يبلّغ الرّسول ما أمره الله بتبليغه له، يقول تعالى:" أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ".
التّفسير الوسيط (تأليف لجنة من العلماء، مطبعة المصحف الشّريف، ج3 ، ط3، 1992) .
عن عائشة رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه علي، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلّمني فأعي ما أقول). / أخرجه البخاري.
لم نشأ التّوسّع في تفصيل هذه الطّرق كما فعل كتّاب السّيرة في كلّ العصور، لأنّها اتّخذت عند عدد منهم افتتانا بطرق التّلقّي، وانشغالا بحالة الرّسول صلّى الله عليه وسلم، واهتماما مضاعفا بها، حتّى غطّى كلّ ذلك على أهميّة الوحي ذاته.
3 ـ دلالات الوحي:
للوحي صورتان مختلفتان، وله أيضا اتجاهان متكاملان، أمّا صورته الأولى فهو الوحي بلفظه ومعناه المحبّر في الكتب المقدّسة، والمتلو منها، وأمّا صورته الثّانية فهي هذا العقل البشري الذي تظافر فيه التّوجيه الإلهي مع ترقّيه في الكمال ليصبح المنبئ عن الخير والفضيلة متى سلم من الموجّهات الضّيّقة، والمؤثّرات العارضة.
أمّا الاتّجاهان المختلفان فنقصد بهما :
أوّلا: اتّجاها عموديّا يرمز إلى حركة الوحي نزولا من السّماء إلى الأرض، مع ما يصاحب عمليّة النّزول أو التّنزّل من "نقل بيداغوجي"، ومن تبسيط، وتخفيف، واختصار... حتى تسع اللّغةُ البشريّةُ المتداولةُ، النّسبيّةُ، والمحدودةُ، والضيّقةُ بدوالّها ومدلولاتها، أصل الكلام الإلهي المدوّن في اللّوح المحفوظ، في صيغته المطلقة، الربّانيّة، المفارقة والمقدّسة.
ثانيا: حركة العقل الموحَى إليه، والباحث اجتهادا واستقراء عن وحيه الخاص المستفاد من تجاربه واكتشافاته، ليستوعب الوحي الإلهي المسدى إليه بلفظه ومعناه، ويفقه معانيه وحكمه وأحكامه، كي يواصل "تحسين أشياء وتقبيح أخرى" مما ليس لها في الوحي الإلهي حكم أو تصنيف، في ما بقي له من رحلة وجوديّة حتى يلقى ربّه.
لقد ميّز سبينوزا بين الوحي المطبوع، والوحي المكتوب، (سبينوزا، باروخ، رسالة في اللاّهوت والسّياسة، ترجمة د. حسن حنفي، دار التنوير ييروت ط1، 2005، ص 73)، وعنى بالوحي المطبوع سنن الطّبيعة المحكمة والدّقيقة والمخبرة عن مشيئة الله، وبديع صنعه، وقصد بالوحي المكتوب، كلّ كلام إلهي نزل على بشر لنفس الغرض مثل التّوراة والانجيل والقرآن، وهذا التّقابل بين الوحي المطبوع والوحي المكتوب يفتح الباب على دلالات حضاريّة تجعل العقل البشري قبس نور في المسيرة الوجوديّة والحضاريّة يُهتدى به تماما كما يهتدى بكلام الله الذي حوته الصّحف، والتي هبّت عليها رياح التّبديل والتّغيير- في ظروف تاريخيّة معلومة في علم تاريخ الأديان - في النّموذجين اليهودي والمسيحي تحديدا، في حين أنّ مشيئة الله المبثوثة في الكون ثابتة، مقدّرة، منتظمة، و أمينة في الإخبار عن مبدعها لكلّ ذي علم وذي نظر.
إنّ ختم النّبوّة لا يقف معناه عند الاعتراف بانقطاع حلقات سلسلة الأنبياء والرّسل وتوقّف نزول الكتب السّماويّة، بل يعني اكتمال ارتواء العقل البشري من النّبع الإلهي الدّافق عبر التّاريخ، وتدشين مرحلة الفطام، ثمّ البلوغ حتّى يتحمّل عبء الأمانة التي حملها طائعا مختارا عنوان رشد ونضج في التّاريخ. يقول الله تعالى : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" سورة المائدة، الآية 5.
4 ـ معجزات الأنبياء والرّسل:
أ ـ تعريفها:
عرّفها التّهانوي بقوله: (المعجزة اسم فاعل من الاعجاز وهي في الشّرع أمر خارق للعادة من ترك أو فعل مقرون بالتّحدّي مع عدم المعارضة... إذ يشترط في المعجزة أن تكون ظاهرة على يد مدّعي النّبوّة...) / التهانوي، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان، ط1، 1996، ص1575).
فأن تكون المعجزة معارضة للعادة، فيعني أنّها خارقة لها، أو متميّزة عنها، أو استثناء من إلْف النّاس ومعتادهم، ممّا جرى عندهم مجرى العادة، ولم يقل التّهانوي أنّها خارقة للعقل، لأنّ اللاّمعقول ليس حجّة لمدّعيه، والمعجزة بهذا المعنى ضرب من التّحدّي لمن يفكّر في إنكار الوحي، ودعوته إلى أن يأتي بمثلها أو بما يقرب منها، فلو استطاع شخص عادي أو جماعة الاتيان بمثل المعجزة المعروضة، بطلت أن تكون معجزة، ولصارت متاحة لمن طلبها، ثمّ ربطها بالنّبوّة تحديدا تبعا لأصلها الربّاني، فهي مدد إلهي يسند النّبي في مواجهة مكذّبيه الافتراضيّين.
ب ـ أمثلة لها:
أيّد الله رسله بمعجزات تحدّت ابستيميا عصرها، لإبراز أنّ ذلك التّحدّي مصدره مفارق، ولا يتاح للنّبي الذي ولد بين معاصريه، وعاش عيشهم، وتداول ما تداولوه من معارف ومهارات وفنون أن يخرق النّظم المعرفيّة بما لا قِبَل للبشر به، وبالتّالي فإنّ اتّهام العرب ـ على سبيل المثال ـ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، بشعر الشّعراء، وسجع الكهّان، وشعبذة السّحرة... إنّما هي محاولة لاحتواء الخطاب الجديد في النّظام المعرفي السّائد، وداخل الأفق الثّقافي القائم، كي لا يشكل استقطابا يعصف بسلطتهم الرّمزيّة والماديّة على السّواء، أمّا اتّهامه بالكذب أو بالجنون فليس سوى تأكيد لما سبق باعتبار أنّ الابداع الفنّي كان ضربا من محايثة للواقع، وليس مطابقة له.
* كانت معجز موسى عليه السلام عصا تنقلب أفعى تلتهم كلّ أفاعي سحرة فرعون، فمنهم من صدّقه، ومنهم من كابر وبقي على معتقده، قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) / سورة الأعراف، الآية 117.
* كما كانت معجزة عيسى عليه السلام تجاوزا لطبّ قومه ولبراعتهم فيه، فكانت معجزته إليهم قول الله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ) / سورة آل عمران ، الآية 49.
* وباعتبار أن الشّعر ديوان العرب ومدعاة فخرهم كانت معجزة محمّد صلّى الله عليه وسلم كلاما قال عنه الوليد بن المغيرة: (والله إنّ لقوله الذي يقول حلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنّه ليعلو وما يعلى، وإنّه ليحطم ما تحته)، ومنع طه حسين أن يسمّى بغير القرآن في قوله: (ولكنّكم تعلمون أنّ القرآن ليس نثرا كما أنّه ليس شعرا، إنّما هو قرآن، ولا يمكن أن يسمّى بغير هذا الاسم.)
https://vb.tafsir.net/forum.php
لقد تحدّى القرآن العرب في أن يأتوا بمثله أو ببعضه، يقول الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) / سورة الاسراء، الآية 88.

III ـ خاتمة:
يقف دارس مبحث النّبوّة والوحي في الإسلام على حكم منها رحمة الله بعباده إذ أمدّهم بنور منه في مختلف المراحل التّاريخيّة ليهديهم إلى سبل الصّلاح، ويدلّهم إلى الغاية من خلقهم، والثّبات عليها، وفي تتابع النّبوّات تدريب للعقل الإنساني على التّمييز بين الحسن والقبيح، حتّى تصقل فيه ملكة التفكير والتّمحيص والتّمييز والتّرجيح... فتصير بمفردها قادرة على أن تحسّن الحسن وأن تقبّح القبيح في ما بقي للبشريّة من رحلة وجوديّة، وبلغ ذلك المران أوجه في إقرار القرآن قاعدة "ختم النبوّة"، وانقطاع مدد السّماء، لتشريع ريادة العقل موجّها ومسدّدا ومنيرا للدّرب.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى