الضّيــــــــــــــاء

الدرس 6: المصادروالمناهج والمقاصد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدرس 6: المصادروالمناهج والمقاصد

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الثلاثاء ديسمبر 05, 2017 8:32 am

جامعة جندوبة                                                                                         السّنة الجامعيّة: 17-2018
المعهد العالي للدّراسات التّطبيقيّة في الانسانيّات بالكاف                                             السّنة 1 / السّداسي: 1
الدّرس السّادس: المصادر والمناهج والمقاصد
تمهيد:
عنوان المبحث الحالي المؤسّس على ثلاثة مصطلحات يبعث على استنتاجين:
  أ ـ تنوّع معانيها ودلالاتها، بحيث يشكّل كلّ منها مبحثا نظريّا قائم الذّات.
  ب ـ التقاؤها في مبحث واحد، يعبّر عن دورانها في فلك أصولي يَــنْظمها رغم تنوّعها المذكور سابقا.
وعليه، فإنّ منهج تعاطينا معها يجمع بين الاستنتاجين السّابقين، لإبراز تفاعلها وتكاملها في سياق الطّرح الأصولي الجامع لها، ونقصد بالطّرح الأصولي التّحرّك في سياق "علم أصول الفقه" المتعلّق بالمصادر والقواعد التي يسلكها المجتهد في عمليّة استنباط الأحكام الشّرعيّة من مصادرها، وسمّاه التّهانوي "علم الدراية"  / التهانوي، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان، ط1، 1996، ص 37).
يعيدنا هذا المبحث إلى استحقاق نقدي مؤجّل في الثّقافة الاسلاميّة لمساءلتها عن ذهنيّتها العالمة، وكيفيّة تشكّلها، وآليّات عملها، ومدى قدرتها على مزيد عطاء... وهي أسئلة تؤجّلها ذهنيّة سائدة رغبة من القائمين عليها في الاستمراريّة التي تدرّ عليها نفوذا ومصالح. كما أنّ طريق المساءلة لم يسلكه سالك إلا لقي بأسا شديدا من غيلان الدّمشقي إلى نصر حامد أبو زيد ومحمد الطّالبي.
لقد اهتمّ الفكر الإسلامي المعاصر اهتماما بالغا بتحليل الذّهنيّة الأصوليّة وكيفيّة تعاملها مع النّص، والمساحة التي فسحتها أمام العقل في عناوين متقاربة مثل "نقد العقل العربي" (محمد عابد الجابري)، "نقد العقل الإسلامي" و"تاريخيّة الفكر الإسلامي" و"قضايا في نقد العقل الدّيني" و"الفكر الأصولي واستحالة التّأصيل" (محمّد أركون)، "نقد الخطاب الديني" (نصر حامد أبوزيد)، "اغتيال العقل" (برهان غليون)، و"نقد النصّ" (علي حرب)، و"التراث والتّجديد" (حسن حنفي)، و"من التّراث إلى الثّورة" (الطيب تيزيني)...
 I ـ تعريف المصادر:  
1- لغة: المصدر هو ما يُصْدَرُ عنه الشَّيء.
ويطلق مصطلح المصادر على المنبع الأول للمعارف، ويختلف عن مصطلح "المراجع" التي تعني كتبا ومدوّنات أخذت معارفها من مصادر سابقة لها، وبالتّالي فالمصادر أعلى منها ترتيبا في طلب المعارف.
2 – اصطلاحا / شرعا:
المصادر عند الأصوليّين هي أدلّة الشّريعة وموطن اجتماعها، وهي نوعان:
 ـ مجمع عليها عند الأصوليّين، ومختلف فيها:
 أ ـ مصادر مجمع عليها:
 * قرآن ـ سنّة ـ إجماع .
 ب ـ مصادر مختلف فيها:
القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، وسدّ الذرائع.
ويوجد تقسيم آخر لهذه المصادر:
                    ـ مصادر نصيّة / سمعيّة / نقليّة...: وهي القرآن والسنّة.  
                      ـ مصادر اجتهاديّة / عقليّة، وهي ما سوى المصدرين السّابقين.
3 – أصول الشّافعي وتشكّل الذّهنيّة السّبحانيّة في الثّقافة الاسلاميّة:
مثّل تدوين الثّقافية الاسلاميّة في القرن 2 هجريّة (جمعها وتصنيفها) محطّة فارقة في التّاريخ الثّقافي الإسلامي خاصّة:
    * من جهة أولى ساهم التّدوين بما هو جمع وفرز وتبويب وكتابة لمختلف العلوم الاسلاميّة حدثا ثقافيّا نقل الأمّة الفتيّة ـ معرفيّا ـ  من طور عفوي ، بسيط (ثقافة شفويّة في أكثرها وغير مبوّبة)  إلى طور حضاري فيه مأسسة للمعارف وضبط لها، وتقعيد لمناهجها، وتسمية لمصادرها، وفتح لباب التّصنيف فيها... وهذا الحدث الثّقافي مهّد الطّريق لحديث عن انتقال كامل لمحور الثّقافة العالميّة من محورها الاغريقي إلى محورها العربي ـ الإسلامي، مع ما صاحب ذلك الانتقال من إقبال على ترجمة مختلف المعارف إلى اللّسان العربي، لسان الدّولة المهيمنة سياسيّا، والقائدة معرفيّا.
    * من جهة ثانية مثّل التّدوين تسويرا للثّقافة الاسلاميّة، ورسما لحدودها، وتطويقا لمجال تحرّكها، إذ يعدّ جمْع العلوم وتصنيفُها ضربا من الفرز العقائدي لها، واعتبرت ـ بمقتضى ذلك ـ  معارف معيّنة بأنّها معارف مِلل مسدّدة بمدد غيبي، ووسم غيرها بأنّها معارف نِحَل يغلب عليها الهوى لمجرّد أنّها لم تستند في مصدرها أو في توجيهها إلى وحي... وتلك كانت لحظة ميلاد النّظرة "السّبحانيّة للعالم"، والمصطلح للفيلسوف سليم دولة (في كتابه: الجراحات والمدارات).
     تعني النّظرة السّبحانية في هذا السّياق إضفاء صفة القداسة على معارف وعلى مصادر وعلى الدّائرين في فلكها، وسلب تلك الخاصيّات على ما سواها، ثمّ تطوّرت تلك النّظرة السّبحانية لتصبح أيديولوجيا الطّبقة الحاكمة، وهي الأيديولوجيا المسؤولة عن كلّ الظّلمات والمظالم في تاريخنا الثّقافي بدءا بتفسيق المفكّرين ووصولا إلى حرق مصنّفاتهم وتقتيلهم والتّنكيل بجثثهم.
    لقد جسّدت أصول الشّافعي وجهي عمليّة التّدوين، فللإمام الشّافعي الفضل في تقعيد علم أصول الفقه وتنظيمه، ولكنّ أصوله هي التي حجبت عن فلاسفة ومتكلمين وفقهاء مجال تطوير المنظومة التّشريعية الاسلاميّة، بل وكلّ المعارف الإسلاميّة، بذريعة أنّها لم تتمثّل على نحو معيّن روح الشّريعة الاسلاميّة.
إنّ مراجعة أصول الشّافعي، وإعادة ترتيبها لا يشكّل خطرا على الايمان، ولا على شعائر الإسلام، طالما ارتبطت هذه المراجعة بالحاجة إلى الاقتراب من متطلّبات الواقع المتحرّك، وتوسيع مجال البحث في الشّرع، يقول الشّيخ ابن عاشور (وقد يظنّ ظانّ أنّ في مسائل علم أصول الفقه غُنْيةٌ لمتطلّب هذا الغرض، بيْد أنّه إذا تمكّن من علم الأصول، رأى رأي اليقين أنّ معظم مسائله مختلف فيها بين النُّظّار) ابن عاشور، محمّد الطّاهر، مقاصد الشّريعة الاسلاميّة، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلامية بدولة قطر، ط1، 2004، ص 6.
4 – من السّبحانيّة إلى السّلفيّة:
    نشأت في الثّقافة الاسلاميّة نزعة تدعو إلى الاعتصام بما استنّه الأوائل "السّلف" وسطّروه، وأفتت بتحريم كلّ محاولة للإضافة إلى كلام ذلك الجيل الذي "لن يجود الزّمان بمثله"، وحصّنوا دعوتهم بنصوص دينيّة ادّعت أنّ التّاريخ في انحدار متواصل، وأنّ الذّاهب من العصور ومن الأشخاص أفضل من اللاّحق، وعليه فإنّ نهاية التّاريخ عندهم تمّت بانقراض ذلك الجيل، وعلى كلّ من يلحقون به العودة باستمرار إليهم وإلى مصنّفاتهم وأفكارهم، ويعتدّون كثيرا بالخبر (خير النّاس قرني ، ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم).
كما تحوّل "حديث الفرقة النّاجية" إلى مركب نجاة تركبه كل طائفة وترمي في اليمّ كل مخالف لها، (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " قالوا : "من هي يا رسول الله ؟" قال: "هي الجماعة"). وليس بين السّلفييّن أنفسهم اتّفاق على تعريف واحد لجيل السّلف، أو على تحديد فترته التّاريخيّة بدقّة، فمنهم من قصر مدلول السّلف على السّابقين في الإسلام من جيل الصّحبة وتابعيهم، ومنهم من مطّط فترتهم التّاريخيّة لتسع عصر التّدوين في القرن الثّاني هجريّة، ومنهم من ذهب أبعد من ذلك وألحق بالسّلف جيل المؤسّسين المعلومة مذاهبهم في العقيدة وفي علم الفقه إلى حدود القرن الرّابع هجريّة...
وهذا التّخبّط في تعريف جيل السّلف مردّه أمران بارزان:
   * أوّلهما: أنّ الشّرع نفسه لم يتعرّض إلى ذكر هذه الفئة أو تعيين رموزها، أو منحها سلطة مرجعيّة.
   * ثانيهما: أنّ التّفاوت في حدّ المصطلح يعكس علاقة عكسيّة في علاقة مدلول الّسلف بقابلية الاجتهاد العقلي، فكلّما تمّ التّقليص في الفترة التّاريخيّة لجيل السّلف كلّما كان ذلك فتحا لنوافذ الحريّة الفكريّة، وكلّما مطّطت تلك الفترة التّاريخيّة، كلّما زاد ـ بالتّبعة ـ أعلامها، وزادت مصادرهم ومصنّفاتهم وأفكارهم... بما يجعل عقل الخلف مثقلا بحملها، ومقيّدا بأفقها، ومحاصرا بإنتاجاتها...
5– من السّلفيّة إلى الأصوليّة:
     لقد وجدت السّلفيّة القديمة والحديثة ضالّتها في أصول الشّافعي فاستماتت في الدّفاع عنها في وجه كلّ تجديد أو مراجعة، وماهت بينها وبين الوحي، واعتبرت الخروج عنها خروجا من حمى الدّين. وبالتّالي كانت الذّهنيّة السّلفيّة ـ التي تجد في كلّ عصر "محتفين" ومنظّرين وكتبا ومراكز قرار تسندها لوجستيّا وماليّا ـ تحارب الكل بآليّة "البدعة"، وتحتفل بما تسمّيه "سننا" حدّ الوثنيّة بهذا الإصرار على أنّ القول هو ما قاله "السّلف"، وأنّه فوق النّقد وفوق المراجعة وأنّ كلّ المنظومة الشّرعيّة قد شهدت كمال نضجها في ما سطّره الشاّفعي في كتابيه "الأمّ" و "الرّسالة"، ولم يبق للخلف من مجال سوى العضّ على تلك السّنن بالنّواجذ، وإن اقتضى منهم ذلك إلجام العقل وإخراسه أو اغتياله حسب تعبير برهان غليون (في كتابه: اغتيال العقل، محنة الثّقافة الاسلاميّة بين السّلفيّة والتّبعيّة)، والكفر بالفكر وما به التّفكّر.
  إنّ هذه الآليّة ترتدّ عليهم أيضا، وبنفس الحزم الابستيمولوجي، إذ أنّ أصول الشّافعي ليست ممّا سمّاه القرآن أو مبلّغ الوحي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ممّا عمل به الصّحابة بالحرفيّة وبالصّرامة التي صاغها بها الشّافعي الذي اجتهد كثيرا وأوّل كثيرا ليخرج على النّاس بأصوله منهجا في استنباط الأحكام من مصادرها، ثمّ عدّها من أخذها عنه السّبيل الوحيد والأوحد لذلك.
كما ساعد التّدوين بما هو كتابة للثّقافة الاسلاميّة الرّسميّة، ثقافة السّلطة القائمة كي تلغيَ كلام خصومها من متكلّمين ومن فلاسفة، وتبدّعه وتدمّره حتّى لا يصلنا صوتهم الذي تكلّموا به بنفس النّقاء المنهجي الذي صاغوه به، بما يجعل أصوليّة الشّافعي في مأزق ابستيمولوجي تتراجع بمقتضاه أمام وطأة الواقع الذي صار يجد ضالّته الفكريّة والحضاريّة في المنهج المقاصدي، وفي الصّوت الحداثي بمقارباته المتجدّدة يقول محمّد إقبال(إنّ من المرجّح أن نكشف في أصول التّشريع  عن نواح جديدة لم تكشف لنا بعد، ممّا يمكن أن نطبّقه بإيمان متجدّد بحكمة تلك المبادئ) / إقبال، محمد، تجديد التّفكير الديني في الإسلام، دار الهداية، ط2، 200، ص 201.
هذا المأزق الابستيمولوجي يضعنا اليوم أمام اختيارات محدودة:
   * الأول: التّمسّك بأصوليّة الشّافعي والاستغناء بالكليّة عن التّرسانة التّشريعية الواردة في مواثيق دوليّة (الإعلان العالمي لحقوق الانسان 1948، اتّفاقية منع الإبادة الجماعية 1948، اتفاقية إلغاء العمل القسري 1957، اتفاقية إقصاء كلّ أشكال التّمييز ضدّ المرأة 1979، اتّفاقية الأمم المتحدة بشأن التّعذيب والعقوبة والمعاملة الوحشيّة 1984، اتفاقية حقوق الطّفل 1989...)، والاستغناء عن هذه التّشريعات من شأنه أن يعيد العلاقات الدّوليّة إلى أسوأ ممّا كانت عليه قبل الحروب الكونيّة.
       كما أنّ التّمسّك الحرفي بها يطرح سؤالا آخر حول مشروعيّة مدوّناتنا القانونيّة المحليّة ( الدستور، مجلّة الالتزامات والعقود، مجلّة التّامين، مجلّة الشّغل، مجلّة الطّرقات، مجلّة الصّحافة، مجلّة حقوق الطّفل، مجلّة الإجراءات الجزائية، المجلّة الجزائيّة، مجلة المحاسبة العمومية، مجلّة المرافعات المدنية والتجارية، مجلّة الحقوق العينيّة، مجلّة الأحوال الشّخصيّة، مجلّة الأداء على القيمة المضافة ...)، التي يسبّب الاستغناء عنها خرابا للمجتمع، شبيه بخراب العلاقات الدّوليّة، ومن المحال أن يكون هذا الخراب المزدوج مراد الشّارع تعالى.
   * الثّاني : التّنصّل بالكليّة من أصول الشّافعي مع ما يقتضيه ذلك من إعراض عن التّسديد الربّاني، والتّوجيه الإلهي المبثوث في الوحي، ومن نفحات السّنة النّبويّة العطرة التي تزخر بقيم وتشريعات وقواعد تحفظ الحقوق، وتحظر الظلم، وتشيع العدل،  وترسي معالم الإخاء... يقول محمّد إقبال (عندما ندرس أصول الفقه الإسلامي... وما ثار حولها من خلاف ... يبدو للعيان إمكان حدوث تطوّر جديد) / المرجع السابق ص 195.
   * الثّالث: إعادة قراءة أصول الشّافعي في ضوء المقاصد العامّة للشّرع، لرسم مسالك إخصابها بعقل مستنير ومتشبّع بثقافة عصره، وبوحي ربّاني جعل رسالته الكبرى تحرير الانسان وتكريمه، ودعاه إلى أن يكون رساليّا، ملتزما بقضايا الحق والعدل، يقول د. علي شريعتي: (إنّك إن لم تكن حاضر الذّهن في "الموقف"، فكن أينما أردت... واقفا للصلاة أو جالسا للخمرة، فكلاهما واحد) / شريعتي، علي، النباهة والاستحمار، الدّار العالميّة للطباعة والنّشر والتوزيع، بيرون ط 1 1984. ص 45.
II تعريف المناهج:  
- لغة:
وردد في المعجم الوسيط: أنّ أصل كلمة المنهج هو نَهَجَ، ويقال: نهَجَ فلان الأمر نهْجًا؛ أي: أبانه  وأوضحه، ونهَجَ الطّريق: سلكه.
2 – اصطلاحا:
مجموعة طرق وقواعد ومراحل ... يقطعها باحث للوصول إلى معرفة أو للتقصّي في صحّتها وفي أسسها... وفي سياقنا، فإنّا مدعوّون إلى بحث بعض مناهج الثّقافة الاسلاميّة، ونكتفي منها بما هو عام ومشترك، إذ لكل علم منهج يخصّه، ولا يشاركه فيه غيره، وأحيانا يكون لكلّ مبحث من المباحث خصوصيّاته المنهجيّة.
3 ـ خصائص المناهج الاسلاميّة:
للثّقافة الاسلاميّة ميزات عديدة، بعضها كونيّة، وبعضها الآخر نابعة من مكوّنها الثّقافي الأبرز ونعني به الوحي.
1ـ ميزات ثقافيّة إسلاميّة ذات بعد كوني:
أ ـ المنهج العقلي:
    جعل الوحي العقل أساس التّكليف، يقول الله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) / سورة طه، الآية 128. وعنوان انسانيّة الانسان ذي الهيئة الأحسن من بين كل ما خلق الله، يقول تعالى( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) / سورة التين، الآية 4. وتواترت الآيات الحاثّة على التّفكير وإعمال العقل واتّخاذه وسيلة معرفيّة، يقول د. حسن حنفي: (يمثل العقل في القرآن الكريم موضوعاً أساسياً. ذكر 49 مرة. وأكثر الصيغ تكراراً ( أَفَلا تَعْقِلُونَ) مما يدلّ على استهجان من لا يعقل ولا يحسن استخدام العقل، ثم (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ممّا يدلّ على التّمني بأن يعقل الإنسان، ثمّ (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) صيغة الشّرط التي تدلّ على أنّ العقل ممكن الاستعمال، وهو أيضاً ممكن الاستعمال بالنسبة للنّظر في تاريخ الأمم السّابقة والحوادث الماضية. وهو يرتبط بكلّ ما يتعلق بملكات الإدراك وقوى المعرفة).
لقد تجلّت قيمة العقل في الإسلام منهجا معرفيا، وأداة معرفة من خلال جعله مفتاحا أساسيّا لقضيّة الايمان الكبرى، قضيّة الايمان بالله تعالى، ولسائر المسلّمات الغيبيّة، وهذا الرّهان هو المهاد النّظري والإعداد النّفسي لنشأة التّفكير والعقلانيّة في المنتج الفكري الإسلامي المبكّر في التّفسير وفي الفقه، وفي علم الكلام... وبفضله تنوّعت مقالات المسلمين في كل فنّ معرفي.  
أ ـ المنهج التّجريبي:
شكّلت أعمال علماء مسلمين سبقا معرفيا في إرساء المنهج الاستقرائي، المنطلق من معاينة الظّواهر وتحديد العوامل المحرّكة لها أو المتحكّمة فيها، وتزخر كتب تاريخ الحضارة بأخبار معامل العلماء وتجاربهم كجابر ابن حيّان (ت 815م)، القائل (ومِلاك كمال هذه الصنعة العمل والتجرِبة، فمَنْ لم يعمل ولم يجرِّب لم يظفر بشيء أبدًا) /
وأبي بكر الرّازي الذي أجرى تجارب علمية على قرود لاختبار أدوية قبل وصفها للبشر (ت 854م) وأبي عبد الله محمّد الادريسي (ت 1164م) صاحب كتاب الجغرافيا (نزهة المشتاق في اختراق الأفاق) وغيرهم كثير، وأخبارهم مدوّنة في دراسات عربيّة وأجنبيّة، ويرى إقبال أنّ التّوجّه نحو التّجريب ثمرة توجيه الوحي إلى لتّدبّر في مِلك الله (ما ينبغي الالتفات إليه هو الاتّجاه التجريبي العام في القرآن، ممّا كوّن في أتباعه شعورا بتقدير الواقع) / إقبال، محمد، المرجع السّابق ص 23.
أ ـ المنهج البرهاني:
نعني به النّزعة الاستدلالية التّجريديّة التي هي قوام علم الحساب والجبر والهندسة، وأخبار علماء الإسلام كثيرة، ومن أكثرهم عطاء في هذا المنهج ثابت ابن قرّة (ت 834 م)، ومحمّد ابن موسى الخوارزمي (ت 847 م)، وعمر ابن إبراهيم الخيام (ت 1131)، وتقي الدين الدّمشقي (ق 10م)...
2ـ ميزات ثقافيّة إسلاميّةُ المنشأِ:
إضافة إلى الميزات المعرفيّة السّابقة، للمسلمين ما يميّزهم منهجيا عن سائر الأمم:
 أ ـ المعرفة عمل تعبّدي:
  يَعتبِر الشّرع الاقبال على المعارف واكتسابها وتوظيفها استجابة لأمر الشّرع بطلب العلوم وبالتّفكّر... وكلّ استجابة تعدّ خضوعا لمشيئة الشّارع وهو المعنى العام للعبادة، وهذه الميزة تزيد المسلم إقبالا على المعرفة لغنم الفوائد العاجلة والآجلة منها، وهي سياق الحديث الشّريف (... وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا  )، فأنْ تكون كلّ الأرض مسجدا، فذلك يعني تحوّلها إلى فضاء تعبّدي واسع، وتعدّ دور العلم المختلفة جزءا من هذا المعبد "الجمع بصيغة المفرد" على حدّ تعبير أدونيس، ومن مقتضيات التعبّد بالمعرفة تعلّما وتعليما أن يوقّر المسلم مجالسها، وأن يحترم حملتها، وأن يبذل الوسع في تحصيلها، وأنْ يتطهّر حسّيّا ومعنويّا وذهنيّا في حضرتها.
 ب ـ الشّعور بالمراقبة الالهيّة:
    يتأسّس على ما سبق الإقرار بأنّ طلب العلم والمعرفة محاطان برقابة الله تعالى، وعلى المشتغل بالمعرفة - تعليما أو تعلّما - تمثّل الرّوح العلميّة في أرقى صورها فلا يكون غرضه منها الاستقواء على الغير أو السّطو على مقدّراتهم، أو الاضرار المادي أو المعنوي بهم، أو التحيّل فيها أو بها، يقول صلّى الله عليه وسلّم (مَن تعلَّم علمًا ... ليصيبَ به عرَضًا من الدّنيا لم يجدْ عَرْف الجنة يوم القيامة) / رواه أبو داود وابن ماجة.
 ج ـ واجب نشرها:
   من تمام التّعبّد بالمعرفة الحرص على نشرها، وإبلاغها إلى من لم يجدوا سبيلا إلى بلوغها، وهذه العبادة تشاركيّة ومشاعة بين النّاس، ويتفاضلون بموجب ذلك في درجة تملّكها، يقول الله تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة المجادلة، الآية 11.
هذه الميزات الفريدة تعطي للمعرفة بعدها الإنساني، وأنّ المتقرّب بها إلى الله يتجرّد من شوائب احتكارها وتدليسها أو حبسها عن طلابها، يقول صلّى الله عليه وسلّم (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نار).
 III ـ المقـــــاصد:
يعدّ أبو إسحاق الشّاطبي (ت 590 ه) أوّل من كتب في مقاصد الشّريعة مصنّفا مبوّبا وممنهجا عنوانه "الموافقات"، ثمّ ألّف فيه الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور مصنّفه "مقاصد الشّريعة الاسلاميّة"، ثمّ كتب بعدهما الشّيخ علال الفاسي مصنّفه "مقاصد الشريعة الاسلاميّة ومكارمها". كما أنّ للشّيخ أحمد الرّيسوني في هذا الباب مراجعات قيّمة.
لقد انتهى اجتهاد الشّاطبي في استقراء نصوص الشّرع وأحكامه إلى ضبط الصّنافة التّالية:
1ـ مقاصد ضروريّة:
عرّفها الشّاطبي بقوله (فأمّا الضروريّة فمعناها أنّها لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا)، الشّاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، الموافقات، دار ابن عفان، ط 1، 1997، ج2، ص 18. وحَصَرَها في خمسة مقاصد هي (حفظ الدّين، وحفظ النّفس، وحفظ العقل، وحفظ النّسل، وحفظ المال) / المرجع السّابق، ص 20.  واعتبر أنّ الشّرع قد سنّ لها أحكاما تحفظها، وتضمن توازنها، وحرّم كلّ ما يخلّ بها، أو يهدّدها، لأنّ باختلالها يفسد الدّين والدّنيا معا.
2 ـ مقاصد حاجيّة:
تتلّعق بتيسير العبادات والمعاملات، وغيابها يجلب للنّاس مشقّة، ويفوّت عنهم مصالح، يقول الشّاطبي (وأمّا الحاجيات فمعناها أنّها مفتقر إليها من حيث التّوسعة ورفع الضّيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللاّحقة بفوت المطلوب) / المرجع السابق ص 21، ومثالها التّيسير في العبادات، وإباحة الطيّبات من مأكل وملبس ومشرب... وتشريع القراض، والمساقاة، وتضمين الصنّاع...
3 ـ مقاصد تحسينيّة:
وهي(الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنّب المدنّسات التي تأنفها العقول الرّاجحات) / المرجع السابق ص 22، ومثال ذلك  مكارم الأخلاق، وآداب السّلوك التي تزيد العبادة توازنا والحياة الفرديّة والعامّة استقرارا، مثل الطّهارة والسّتر ، والتقرّب بالخيرات، وفي الحياة الفرديّة والعامّة كالتّطيّب وإظهار الزّينة، ومنع الاتّجار في المحرّمات...
 وما يُحمد في مشروع الشّاطبي هو هذا الانتقال المنهجي في فهم الدّين من تقيّد بمنطوق ألفاظه وتراكيبه، ومن تتبّع تجزيئي لآياته وأحاديثه وأحكامه، إلى قراءة تأليفيّة لها في ضوء ما تؤسّسه نظم اللّغة الشّرعية من أهداف يحتاجها البشر في عباداتهم وفي معاملاتهم، يقول الرّيسوني (حين تجرّد الفقه من مراعاة المقاصد... بدأ يتحوّل إلى مجرّد قوانين تتّسم بالظّاهريّة والجفاف والبرودة) / الرّيسوني، أحمد، مدخل إلى مقاصد الشّريعة الاسلاميّة، دار الكلمة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2010، ص 18.

غير أنّنا نسجّل ثلاثة تحفّظات منهجيّة على هذه المقاصد، والقصد منهما توسيع مجال النّظر فيهما، وهما:
أ ـ هذه المقاصد نشأت في حمى النّص الدّيني وداخل سياقه الدّلالي تفسيرا وتأويلا، ولم تشكّل عمليّا توسيعا للنّظر الدّيني الذي حدّدت أصول الشّافعي أفقه ومجال حركته، يقول د. الخادمي (فالنّصّ هو الدّليل الذي يراد تطبيق حكمه وعلّته ومقصده)/ الخامدي، نور الدين، الاجتهاد المقاصدي، كتاب الأمة عدد 66، السنة 18، ط1، 1419ه، ص57.
ب ـ استخرج الشّاطبي – ومن حذا حذوه – المقاصد من علل الأحكام لتكون – في النّهاية - رافدا تشريعيّا للنّصّ، وتحاشى بذلك دعوات عديدة إلى مقاصد ثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة وحقوقيّة... يقول د. جغيم (إنّ المقاصد قد تكون هي العلل ذاتها) / جغيم، نعمان، طرق الكشف عن مقاصد الشّريعة، دار النفائس، ط1، 2014، ص 144. والمقصود بذلك أسباب تشريعها.
ج ـ هذه مقاصد نسبيّة من حيث أنّها تردّ على تحدّيات تعاظمت في عصر الشّاطبي بالذّات، ولو قدّر لصاحبها أن يعيش عصرنا، ويعاين كوارثه لاعتبر من المقاصد الضّرورية حفظ الهويّات من عولمة تنتهك الخصوصيّات الثّقافيّة للأمم انتهاكا، وحفظ الأوطان من الفتن الامبرياليّة وأذرعها الإرهابيّة، وحفظ البيئة من تهديدات التّلوث المنذرة بالفناء العاجل... وهي العبادات الاجتماعيّة التي عناها الشّيخ القرضاوي بقوله (واهتمّوا بالعبادات الفرديّة، كالصّلاة والذِّكْر ، أكثر من اهتمامهم بالعبادات الاجتماعيّة) / القرضاوي، يوسف، في فقه الأولويات، مكتبة وهبة، ط2، 1996، ص 23.
إنّ المقاصد ـ من حيثُ المبدأُ ـ هي المخرج الآمن الوحيد للثّقافة الإسلاميّة برمّتها من دائرة التّخلّف عن الرّكب الحضاري العالمي، لأنّ النّزعة المقاصديّة باب لتحقيق مطلبين حضاريّين على غاية من الأهميّة:
1 ـ  التّصالح مع الإنتاج التّنويري الإنساني والحداثي العربي باعتباره قد نشأ وتطوّر خارج الدّائرة الاسلاميّة، طالما أنّ هذا الإنتاج يخدم الإنسانيّة في سياق المسافة الرّمزية التي تضعها بينها وبين أصلها الحيواني، وعليه، فإنّ كلّ ما يخدم الانسان ويحقّق حرّيّته وكرامته وسلامته وراحته هو من مراد الشّرع، وإن لم يكن مُروِّج تلك المعارف "عالما مسلما"، فالعبرة بالمآلات أوّلا.
ولا مبرّر لتحفّظ د. رفقة العلواني على محاولة تأسيس مقاصد الشّريعة من خارج السّياج الدّلالي لآيات الأحكام في قولها (تعيين المقاصد من خارج محتوى النّصّ، ثمّ يفهم النّصّ على أساسه، يمكن أن يؤدّي إلى الحيدة، والزّيغ في الفهم والانحراف في التّأويل) / العلواني، رفقة طه جابر، أثر العرف في فهم النّصوص، دار الفكر دمشق، 2003، ص 270.
2 ـ توسيع مجال تحرّك العقل الإسلامي وتأسيس رؤية استشرافيّة للشّرع تسع الواقع، وتتطلّع إلى المستقبل، بعد أن طوّقته أصول الشّافعي ومقاصد الشّاطبي بقيود لا يجد منها تحرّرا إلا بطرح أسئلة حول شرعيّته وهويّته الدّينيّة، علما وأنّ فسطاط الدّين أوسع من أن يخيطه فقيه على مقاسه، أو على ما انتهى إليه اجتهاده، أو بما سمحت به ابستيميا عصره، يقول إقبال (وروح التّوحيد بوصفه فكرة قابلة للتّنفيذ هو المساواة والاتّحاد والحريّة، والدّولة في نظر الإسلام هي محاولة تبذل بقصد تحويل هذه المبادئ المثاليّة إلى قوى مكانية زمانية) / المرجع السّابق ص 183.
ـIV خاتمة:
          يمكننا اعتبار الإسلام بحرا مترامي الأطراف، والمذاهب الفقهيّة وأصول الشّافعي، ومقاصد الشّاطبي هي المساحة التي يستطيع أن يسبح فيها فقيه أو مجموعة فقهاءـ والخروج من دائرة سباحتهم إلى دوائر أخرى لا يعني مطلقا خروجا من مياه البحر.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 75
نقاط : 226
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى