الضّيــــــــــــــاء

جدل علي ... وأبيه...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جدل علي ... وأبيه...

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 4:22 pm

من الأكبر، علي أم أبوه ؟
        بقلم عمر الهرهوري / قبل هيج 2011 بأشهر...


من البديهي أن لا تعجز بداهة هذا السؤال أحدا ، إنها بداهة ناطقة بذاتها وعن ذاتها وتلغي كل احتمال للبرهنة عليها .
في حقيقة الأمر لا يطرح هذا السؤال مستعلم، إنما هو مثل يضربه البعض تهكما ممن يتعالم في حضرتهم . تأملت هذا المثل العامي التونسي (أما أكبر علي... وإلا باباه)... فإذا هو يتأسس على مستندات سرية على درجة كبيرة من الخطر والرعب.
إن هذه المستندات تتجاوز البعد التهكمي الذي صيغ هذا القول لأجله ، فمن يقدر على أن يتخيل مآل القيم والعلاقات والنسيج الاجتماعي والسياسي والحياة برمتها في ظل افتراض يكون فيه علي أكبر من أبيه ، وقد جربت ملاعبة هذا الافتراض أو التلاعب به فسكنني كابوس مخيف أفزعني مجرد التفكير فيه افتراضا فكيف إذا استحال واقعا معيشا، ونسقا سائدا؟

بأية مقاربة يمكن أن نبرهن على افتراض وجود علي أكبر من أبيه؟
كيف نؤسس لقوامة يقوم فيها علي على أمر أبيه خلافا لكل ما سارت عليه البشرية؟
هل يصمد بناء القيم الذي يؤسس للعلاقات من الفراش حتى السماء في ظل تجربة يكون فيها علي أكبر من أبيه؟

لا شك أن زلزالا مدمرا سيضرب كل أوصال المجتمع وجميع مؤسساته إذا انقلبت المعادلة وصار علي أكبر من أبيه حقيقة تعاش. ولا يمكن لأصحاب الثقافة البيولوجية أن يشقوا بهذه الحيرة الفلسفية ما داموا قد تعلموا من الدرس الطبيعي - من أصغر جسيم فيه إلى أكبر جرم - أن لكل معلول علة معلومة وأن لكل مسبب سببا هو أصل وجوده وكونه وبالتالي فإن الدرس البيولوجي -كما خبرناه - يمنع الافتراض من أساسه ويعد التفكير فيه - مجرد التفكير- ضربا من العبث المبدد للجهد والوقت بل نزعة سفسطائية تقف على غير أرضها وتسافر إلى غير عصرها .

إن علم الطبيعة – بكل فروعه – يحبذ التعاطي مع المطلقات والكليات والسنن الثابتة وإن تأكد أن ثباتها موقوت في الزمان والمكان . وتبدو الحياة – كل الحياة - من وجهة إحيائية سلسلة متصلة الحلقات يفضي فيها السبب إلى المسبب في اتصال أزلي ينتهي إلى مسبب أول يسميه البعض الله و يسميه غيرهم الطبيعة أو المادة ذاتها، ولكن توجد حقيقة أخرى لها مبرراتها في التجربة الحضارية والاجتماعية أن الحياة ترفض الجمود أو "الاستنقاع"- إذا جاز الاشتقاق- وتحقق في كل تجدد أو ثورة أو تحول حياة جديدة أو قابلية متجددة للحياة ، إنها تجيز افتراض أن يكون" علي أكبر من أبيه" كما تجيز القول بالطفرة حيث يكون معلول بلا علة ، او مسبب بلا سبب،
ونحن إزاء منطقين مختلفين ، منطق بيولوجي يمنع مجرد التفكير في احتمال تقدم المعلول على العلة ومنطق حضاري وتاريخي يستطيب التنظير لخلاف ذلك، ويعتبر الحركة الارتدادية المتعتعة للقائم والسائد مجالا للتطور الحضاري، وطرح اسئلة المراجعة والإصلاح والتأسيس.

إن من قال (من الأكبر علي أم أبوه ؟) كان يعي المآلات المختلفة لوجود هذا الاحتمال واقعا يرى أو افتراضا يفكر من خلاله أو يسكت عنه لتدافع – قديم ، جديد – بين الدوال والمدلولات كما تعلمنا من الدرس اللساني.
ففي العائلة نجد عليا الابن ونجد أباه الأب، وفي المدرسة نجد التلميذ عليا والمربي الأب، وفي المصنع نجد العامل عليا ونجد الرئيس الأب، وفي السلطة نجد المحكوم عليا ونجد الحاكم الأب ... وقس على هذا سائر الثنائيات المكونة للكل الاجتماعي والتي تنتظم كلها في نسيج علائقي متشابك وفق سنن من بينها القوامة بما هي رعاية ومسؤولية، والولاية التي هي الطاعة والمحبة في الاستقامة، والتسخير كمـا في الآية ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) وللتسخير شروط ضرورية ليفعل فعله في استقرار المجتمع وتبادل المنافع والخدمات أولها أن يكون علي أصغر من أبيه سنا ووصاية وقوامة .
ماذا لو فجرنا نواة القوامة أو نواة الولاية أو نواة التسخير كما يفعل الكيمياويون في مخابرهم ؟
ماذا لو فصلنا بين جزئي النواة ثم أعدنا تركيبها وفق تراتبية جديدة تجعل عليا أكبر من أبيه ؟

شخصيا يعجز عقلي عن تصور مآلات الأمور ومدى الدمار الواسع الذي يسببه هذا التشكيل الجديد للنواة الاجتماعية , أليس من الجدير استبعاد هذا الافتراض والتسليم مع علم الحياة بأن الأب أصل للابن وأن الابن فرع من أبيه، بحيث لا مجال لأن يكون علي أكبر من أبيه بحال من الأحوال . هذا جميل وفي السكون سكينة.

لكــــــــــــــــــــــــــــن :

ماذا نسمي سطوة كثرة لا يستهان بها من الأبناء وعقوقهم في اللباس وفي العلاقات وفي السلوك ؟
ماذا نسمي التطاول الفاضح لكثرة من المتعلمين على معلميهم في مختلف مراحل التعليم ؟
مضى زمن يتحاشى فيه التلاميذ اللعب في الشوارع عند مرور معلم أو معلمة وحل زمن صار المعلم يرسم فيه خريطة آمنة لطريق ذهابه من البيت إلى مختلف المرافق ليتحاشى أماكن تجمع تلاميذه بل التلاميذ ؟
ماذا نسمي التقزيم المنظم لمسؤوليات المسؤولين وصعود نجم المضاربين والمهربين والمتاجرين في المال النظيف والوسخ ؟
ماذا نسمي احتشام الأمن في حفظ الأمن العام تحت عناوين الحريات الفردية وحقوق الإنسان؟ العربيد والسارق والزاني ... يعاملون باللين تحت يافطة حقوق الإنسان والصحفيون والمثقفون يخنقون في كل آن ؟
ماذا نسمي مظاهرة شرطي المرور لعربات المهربين التي لا تحمل لوحات ولا يتوفر سواقها على رخص وتأمينات ويضبط المواطنين الآمنين في حالة تلبس " استعمال الجوال أثناء السياقة"؟
ماذا نسمي هذه الليبرالية المتوحشة التي لا يسأل فيها أحد أحدا ؟
ماذا نسمي غياب الرقابة ورشوة المسؤولين وابتزازهم ؟
ماذا نسمي هذا الانفتاح غير المشروط على المهرب والمقلد ؟
ماذا نسمي تقديم من لا يقدم للشأن العام على من له تجربة وصيت؟
ماذا نسمي "تفهم" شغب جماهير الكرة وتخريبها للملك الخاص والعام؟
ماذا نسمي أفول القيم الجمهورية وبزوغ النزعة الجهوية والقبلية ؟
ماذا نسمي التفصي الممنهج في إعلامنا ومدارسنا من مسؤولياتنا القومية؟
ماذا نسمي الترويج لإصلاح؟ فإصلاح إصلاح فتنقيح إصلاح إصلاح ثم تعديل تنقيح إصلاح إصلاح .. وسلسلة لامتناهية من الاخصاء الثقافي والسياسي ؟
ماذا نسمي إغراق السوق بحاملي الشهادات ودعوتهم إلى الانتظام في طابور سري للتشغيل حددت في نهايته معاليم لكل وظيفة أو مسؤولية ؟
ماذا نسمي انتصاب مكاتب التشغيل الرسمية توثق لقائمات طالبي الشغل وتوزع البسمات والأمل وبروز مكاتب تشغيل حمراء موازية تتنافس حد الاقتتال في الوساطات المشبوهة والرشى ؟
ماذا نسمي استبعاد قاعدة من أين لك هذا ونحن نرى أصحاب مشاريع أو مسؤولين ينحدرون من عائلات معدمة وفي سنوات يصبحون من أصحاب الأعمال؟
ماذا نسمي التبشير لسلطنة الحلاقين ؟ تبشير فض ومجاني ليس له ما يشرعه إلا فتوى بعض معاتيه الفقهاء " شرعية الاستيلاء والغلبة في الملك درءا للفتنة ، أيشرعون لهذه السلطنة بدهاء كدهاء "كليوبترا"؟ أم بطهر كطهر مريم ؟ أم بورع كورع آسيه"زوجة فرعون ؟ أم بحكمة كحكمة "بلقيس" ؟ أم بصبر كصبر الخنساء؟ أم بثراء كثراء خديجة؟ أم بفقه كفقه عائشة ؟ أم بشرف كشرف فاطمة ؟ أم بحسب كحسب "بي نظير"؟ أم بنسب كنسب "أنديرا؟ أم بسخاء كسخاء عزيزة عثمانة؟ أم بشرعية كشرعية تاتشر؟ أم ببطولة كبطولة سناء المحيدلي؟

بلا شيء من ذا وذاك ، كل الجدارة للسلطنة الموعودة مشط ومقص وخضاب...

أليست هذه الشهادات وغيرها دليلا مفزعا على أن عليا قد استأسد على أبيه، وصار أعلى منه صوتا، وأطول يدا، وأنفذ أمرا، وأشد حيلة، وأوسع نفوذا...
وما حيلة "بشر الحافي" – صالح زمانه- لو عاصر انقلاب القيم هذا ؟
إنه سيتأبط نعليه كما فعل أول مرة ولكن في أي اتجاه سيركض ؟
زأية أرض تقله ؟
وأية سماء تظله ؟ أمن سبيل لمناص ؟ أيجد ملاذا ما يزال فيه علي تحت وصاية أبيه ؟
عزاؤه أنه سيركض حتى التيه هاربا من أرض صار فيها علي أكبر من أبيه إلى أرض يكون فيها علي أصغر من أبيه ولا مناص في المدى المنظور.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى