الضّيــــــــــــــاء

فضائل القرآن في صحيح البخاري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فضائل القرآن في صحيح البخاري

مُساهمة من طرف محمد الهادي طاهري في الأربعاء سبتمبر 27, 2017 9:55 pm

خصص البخاري للقرآن في صحيحه كتابين اثنين، الأول في تفسير القرآن والثاني في فضائله. ويتألّف كتاب الفضائل من عدّة أبواب يكاد كلّ باب منها ينفرد بموضوع لا صلة له بمواضيع الأبواب الأخرى، فمن حديث عن بدء الوحي وأوّل ما نزل منه عن جمع القرآن وتأليفه وعن القرّاء، إلى حديث عن فضل القرآن على سائر الكلام وفضل بعض الآيات أو السور على بعضها الآخر، إلى حديث عن القرآن وكيف يُتلى وما يلحق من يتلوه من الغبطة والسكينة. رغم ذلك يمكن أن نصنّف الأحاديث الواردة في هذا الكتاب إلى ثلاثة أصناف رئيسيّة: أحاديث تندرج ضمن ما بات يعرف بتاريخ القرآن وهي التي تروي أخبارا عن بدء الوحي وجمع القرآن وتأليفه، وأحاديث تكشف عمّا في القرآن من آيات وسور بعينها لها منازل خاصّة في قلب النبيّ وفي تجربته الروحيّة، وأحاديث ثالثة ترسم للمؤمنين نظاما تأديبيّا يُلزمهم بالتعامل مع القرآن على نحو خاصّ تلاوة واستماعا وتعليما.
وبهذا ينكشف المراد من" فضائل القرآن"، إذ ليس فضله في ما فاق به سائر الكلام فحسب كما فهم ذلك البلاغيّون خاصّة،  وليس فضله في ما له من أثر في الأبدان والنفوس كما فهم ذلك الكثير من المتأخّرين حين جعلوا من كلماته شفاء لمن به صرع ومفتاحا لمن طلب رزقا أو متاعا فسُدّت في وجهه أبواب الدنيا،  ولكنّ فضله في ما حازه من عناية المؤمنين به حفظا وجمعا وتدوينا وتعليما. وحين يلتفت البخاري ونقلة الحديث عامّة إلى ما حظي به القرآن من عناية فائقة يكون قد التفت إلى خطاب أخذ مجراه في حياة الجماعة الروحيّة والفكريّة وبات له تأثير صريح فيها. ويترتّب عن هذه المقاربة تناول مختلف للخطاب القرآني، فهذه الأخبار التي تميط اللثام عمّا حفّ بالقرآن ورافقه من ممارسات اجتماعيّة ستكون حتما مدخلا مفيدا لفهم فائض القيمة التاريخي الذي اكتسبه الخطاب القرآني حين تجاوز حدود اللغة واحتلّ صميم الوجود الدينيّ والاجتماعي كما سنبيّن ذلك في الفقرات التالية.
1. تاريخ القرآن:
خصّص البخاري عدّة أبواب تتعلّق بما يًعرف في الدراسات القرآنيّة بتاريخ القرآن، وقد شكّلت هذه الأخبار وما كان في معناها مادّة تاريخيّة وظّفها المستشرقون ومن تابعهم لبناء السياق التاريخي الذي يتنزّل فيه القرآن. ولئن كانت الدراسات القرآنية تهدف من وراء ذلك إلى بناء وعي تاريخيّ بالقرآن فقد كان المحدّثون وعموم الإخبارييّن يرمون إلى غاية أخرى لا صلة لها بمثل هذا "الوعي التاريخي" لأنّ هدفهم الأسمى من ذلك هو الكشف عمّا حظي به القرآن من عناية بشريّة فضلا عن العناية الربّانيّة به.
وقد أحاطت هذه الأخبار بالقرآن من جوانب عدّة فبيّنت المدّة التي ظلّ القرآن يتنزّل فيها على النبيّ وهي عشرون سنة، عشر سنوات منها في مكّة ومثلها في المدينة (الحديث 4979)، وأنّ الوحي ظلّ يتنزّل على النبيّ حتّى وفاته وأنّ أكثر الوحي كان في أواخر حياته (الحديث 4982)، وأنّ الوحي قد انقطع عن النبيّ ليلة أو ليلتين ثمّ تتابع نزوله بعد ذلك فلم ينقطع عليه حتّى توفّي. ومن الأخبار ما يشير إلى اقتران الوحي بمشاغل الناس وهواجسهم اليوميّة، فإذا جاء من يسأل النبيّ حكما في ما عرض له من حوادث ولم يكن للنبيّ علم بما طُلب منه نزل الوحي استجابة لذلك الطلب (الحديثان 4985، 4990، 4992). ومن الأخبار ما يتضمّن معلومات تاريخيّة عن جمع القرآن في حياة النبيّ وبعد وفاته والأسباب التي دعت المسلمين إلى ذلك وما لقيه زيد بن ثابت من العناء في جمعه وتدوينه في المصاحف بسبب الاختلاف بين القرّاء في اللغات والحروف أو في متون السور التي يحفظونها (الأحاديث 4984، 4987، 4988)، وما نتج عن ذلك من ارتباك نجح زيد بن ثابت ومن معه في تجاوزه لما كان له من قدرة على الحفظ والتذكّر والمقارنة بين الروايات والمخطوطات.
في كلّ هذه الأخبار كما نرى ما يساعد على تبيّن السياقات التي تشكّل فيها القرآن، من ذلك أنّ نصّ الوحي في غالب الأحيان استجابة مباشرة لما يطرأ على المؤمنين من حوادث فيكون جوابا لمستفسر أو ردّا على مُنكِر أو تثبيتا لمذهب نطق به أحد الصحابة، وما يُفهم من ذلك باختصار هو أنّ القرآن نصّ تفاعليّ تشكّل على امتداد عشرين سنة وانخرط في مجريات الواقع وعمل على التحكّم فيها ليُنتج عالما بديلا، ولعلّ في ما روته عائشة عن تأليف القرآن ما يؤكّد هذا المعنى إذ كانت سوره الأولى في ذكر الجنّة والنار حتّى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. هذا من جهة الأغراض والمضامين، أمّا من جهة اللفظ فهو نصّ على سبعة أحرف تختلف باختلاف اللغات، ولئن حرص زيد بن ثابت على تدوينه بلغة قريش كلمّا وجد اختلافا بينه وبين مُساعديه امتثالا لأمر عثمان، فقد ظلّ هذا النصّ في نظر المحدّثين على سبعة أحرف والحرف في علم القراءات ما وقع الاختلاف فيه بين القرّاء من كَلِمِ القرآن سواء كان اسما أو فعلا أو حرفا. ولكنّ الحديث عدد 4992 المرويّ عن عمر بن الخطاب وقصّته مع هشام بن حكيم، لمّا سمعه يقرأ سورة الفرقان "على حروف كثيرة"، لا يفيد ما ذهب إليه المحقّقون في علم القراءات، ففي هذا الحديث ما يشير صراحة إلى سورة بأكملها يقرؤها هشام "على حروف كثيرة" ويقرؤها عمر على نحو مختلف فإذا اختصما وتحاكما إلى النبيّ قال النبي لهشام بعد الاستماع إليه " كذلك أنزلت" ثمّ قال لعمر بعد أن سمعه "كذلك أنزلت" وختم بقوله " إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسّر منه". وإذا ربطنا هذا الحديث بالحديث عدد4991 حيث يقول النبيّ " أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف" تبيّن لنا معنى آخر غير المعنى الشائع في علم القراءات، فالحروف عندهم ألفاظ القرآن يختلف الناس في النطق بها بالزيادة والنقصان والتخفيف والإمالة والإثبات والإهمال والضمة والفتحة والكسرة والسكون، ولكنّ قوله "اقرؤوا ما تيسّر منه' وقوله قبل ذلك " لم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف" يفهم منهما أنّ الحرف هو الغرض أو الموضوع (Thème) بدليل الاستزادة والزيادة في الحديث 4991، وقراءة ما تيسّر من القرآن وهو على سبعة أحرف في الحديث 4992. في هذين الحديثين كما نرى إشارة إلى زيادة وتيسير، زيادة في أحرف القرآن يطلبها النبيّ من جبريل فيستجيب له، وتيسير على القارئ فيكتفي من القرآن بما تيسّر له. وهذا يعني أنّ عمرا سمع هشاما يقرأ من سورة الفرقان آيات كثيرة لم يتيسّر له أن يحفظها أو يسمعها من النبيّ، وأنّ السورة "أنزلت كذلك" في مناسبتين مختلفتين فنزل منها جزء علمه عمر وحفظه ثم نزلت أجزاء أخرى لم يكن له بها علم حتّى سمع هشاما يصلّي بها. وممّا يعزّز هذا الرأي أنّ الكثير من علماء المسلمين القدامى كانوا يحملون لفظ الحرف في عبارة "على سبعة أحرف" في الحديث 4992 على معنى الغرض، ومن هؤلاء مثلا أبو بكر الباقلاّني حين تحدّث عمّا في القرآن من أغراض وهي القصص والمواعظ والاحتجاج والحكم والأحكام والأعذار والإنذار والوعد والوعيد والتبشير والتخويف والأوصاف والتعليم.
ومن الصوفيّة من ذهب إلى اعتبار الأحرف السبعة إشارة إلى الأنوار الإلهية السبعة، وهي حرف النبوّة وحرف الرسالة وحرف الآدميّة وحرف الروح وحرف العلم وحرف القبض وحرف البسط، فحرف النبوّة ما كانت الآية فيه آمرة بالصبر دالّة على الحقّ مزهّدة في الدنيا وشهواتها، وحرف الرسالة هو أن تكون الآية متعلّقة بالدار الآخرة ودرجاتها ومقامات أهلها، وحرف الآدميّة أن تكون الآية متعلّقة بالنبيّ محمّد، وحرف الروح تتعلّق فيه الآيات بالله وصفاته ولا ذكر لمخلوق فيها، وحرف العلم هو أن تتعلّق الآية بأخبار الأمم الغابرة وما في ذلك من القصص والمواعظ والحكم، وحرف القبض تكون فيه الآية متعلّقة بأهل الكفر وما يترتّب عن ذلك من وعيد واستهزاء بهم وبما يقولون، وحرف البسط فيه ذكر لما أنعم به الله على الناس. ولمحمّد أركون كلام في هذا المعنى إذ قسّم الخطاب القرآني إلى سبعة أنماط وهي النمط الحكمي والنمط القصصي والنمط الترتيلي والنمط التشريعي والنمط الإقناعي والنمط الجدالي والنمط الاستهزائي. فإذا عدنا إلى سورة الفرقان التي نشأت حولها الخصومة بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم وجدناها تدور على محاور القرآن الكبرى، وهي أصول الإيمان وحقيقة التوحيد والإخلاص، ودلائل النبوة وحقائق البعث ومشاهد القيامة والوعد والوعيد وموازين العدل والقصص والتشريع وكلّ هذا في اعتقادنا علامة على أنّ الأحرف السبعة إنّما هي مدرات الخطاب القرآني وأغراضه الرئيسيّة. ولئن تفاوتت في العدد من باحث إلى باحث فكانت سبعة أو دون ذلك أو أكثر منه فهذا يعني أنّ لفظ السبعة لا يعني العدد بعينه بل يشير إلى التعدّد والكثرة.
كلّ هذا لا ينفي في واقع الأمر حقيقة الاختلاف بين القرّاء في النطق ببعض الكلمات ولكنّه اختلاف يظلّ ثانويّا، ولا يشكّل خطرا على الفهم والتأويل، أمّا حصر هذا الاختلاف في سبع قراءات والاعتقاد في أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع فممّا لا يثبت ولا دليل عليه لأنّ القراءات كثيرة تكاد تكون ضِعف ما أثبتوه، ولم يبق حينئذ إلاّ أن تكون "الأحرف السبعة" عبارة تنوّع في أغراض القرآن تنقص وتزيد من سورة إلى سورة، وتنقص وتزيد في السورة الواحدة تبعا للمدّة التي تنزّلت فيها. نقول هذا لأنّ الثابت أنّ ما من سورة نزلت دفعة واحدة عدا البعض من السور القصار، والثابت أيضا أنّ النبيّ محمّد كان يراجع القرآن مرّة كلّ سنة وهذا يعني أنّه كان يعيد ترتيب آياته ويوزّعها على السور وفق ما يأمره به جبريل كما جاء في الأخبار.
فضل القرآن إذن أنّه نصّ تشكّل في سياق الواقع بمختلف أبعاده المادّية والمعنويّة، وأنّه نصّ تفاعليّ تتّسع أغراضه وتضيق وفق ما تقتضيه الحاجة، وهو إلى ذلك نصّ مشترك شائع بين عدد لا يكاد يحصى من الحفّاظ والكتبة ولا بدّ لمن أراد الإحاطة به أن يحيط بما في صدور الناس وألواحهم منه وهذا ما اجتهد زيد بن ثابت ومن كان معه في إدراكه.
2. المفاضلة بين آيات القرآن وسوره :
للمفاضلة في هذا السياق معنيان، الأوّل تكون بمعنى القيمة الدلالية أي يكون القليل من القرآن دالاّ عمّا دلّ عليه الكثير منه ويكفي عندئذ أن نقرأ القليل لنكون قد أحطنا بالكثير، وهذا يعني أنّ في القرآن ذرى دلاليّة ومنابع للمعنى تنساب في كلّ اتجاه. وقد أورد البخاري في هذا الباب بضعة أحاديث فيها تنصيص على ما في بعض الآيات والسور من فضل على غيرها، من ذلك أنّ سورة الفاتحة لوحدها بمنزلة القرآن العظيم كلّه (الحديث 5006) وأنّ من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كان ذلك كافيا (الحديث 5008)، وأنّ سورة الإخلاص لوحدها تعدل ثلث القرآن (الأحاديث 5013، 5014، 5015). إنّ هذه الأحاديث تمثّل في تقديرنا خارطة لقراءة القرآن وتدبّر معانيه لأنّها ترسم الطريق الأسرع للإلمام بما جاء في القرآن من معان كثيرة متفرّقة متكرّرة، فالفاتحة أمّ الكتاب وهي القرآن العظيم أي أنّها كلام تجتمع فيه كلّ أغراض القرآن، والإخلاص على قصرها سورة تعدل ثلث القرآن في إشارة إلى أنّ غرض التوحيد وما يتفرّع عنه من نفي للشرك والتجسيم يساوي ثلث ما جاء في القرآن من أغراض، وآخر آيتين من البقرة في ليلة تكفيان للإحاطة بما أمر به القرآن ونهى عنه وهو الإيمان بما أنزل الله على رسوله والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والاجتهاد في إتيان الخير واجتناب الشر قدر المستطاع والإقرار بالعبوديّة لله وطلب العفو والمغفرة منه في كلّ حين.
أما المعنى الثاني للمفاضلة فيبتعد بنا عن أغراض القرآن ومعانيه ويخرجنا من بنيته الدلاليّة إلى وظائفه الوجوديّة، فآية الكرسيّ من سورة البقرة مثلا تحمي من قرأها ليلا وتحفظه من شرّ الشياطين حتّى مطلع الفجر (الحديث 5010)، وسورة الفاتحة رقية لمن أصابه أذى تبعد عن الجسم ما به من علّة (الحديث 5007)، والمعوّذتان تنفعان من كان بجسمه سقم إذا قرأهما ونفث في كفّيه ومسح جسمه بهما. وإذا كانت الأحاديث الأولى تعيّن المواقع الأغزر دلالة والأكثف معنى في القرآن، فهذا الصنف من الأحاديث يمنح بعض آيات القرآن وظائف وجوديّة غير الوظيفة التعبّديّة أو الوظيفة التأمّليّة. وحين يستعمل الناس القرآن لحفظ أجسادهم من العلل ولحفظ نفوسهم من الشياطين يكون القرآن قد كفّ عن كونه مجرّد كتاب يستلهم منه الناس الحكم والمواعظ والأحكام والحجج لأنّه بات يُستعمل في ما بعد المعرفة والعلم أي في الوجود الخاصّ، وجود الروح والجسد على السواء، وهو حصن لهذا الوجود من العدم الذي يهدّده باستمرار.
قد يكون هذا التوظيف مدخلا للحديث عمّا تسرّب إلى الإسلام من اعتقادات قديمة لها صلة بالسحر، ولكنّه في تقديرنا العلامة الأبرز على أنّ النبيّ ومن معه كانوا يستعملون القرآن استعمالا دينيّا فكانوا به يتعبّدون وبه يحصّنون وجودهم ومنه يستمدّون الشجاعة لمواجهة ما يحلّ بهم من الآفات والكوارث، وهذا يعني أنّهم لم يفهموا القرآن في حدود ما يوجبه العقل فقط بل في حدود ما يوجبه الوجود ببعديه الخاصّ والمشترك، ولهذا كانوا يعتقدون أنّ للقرآن نورا لا بالمعنى المجازي فحسب بل بالمعنى الحقيقيّ أيضا، هو للعقل نور به يستضيء لمعرفة الحق من الباطل والخير من الشرّ، وهو إلى ذلك سبب في نزول الملائكة من السماء إلى الأرض ليغمروها بالسكينة إذ كان أحدهم في ليلة يتلو سورة البقرة فرفع رأسه فرأى في السماء مثل الظلّة فيها أمثال المصابيح فكفّ عن القراءة وجاء النبيَّ مستفسرا فقال له "تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم" (الحديث 5018). هنا يكتسب القرآن معنى آخر ووظيفة أخرى إذ لم يعد كتابا يرسم للناس حدود الخير من الشر وحدود الحق من الباطل وحدود الحلال من الحرام فقط بل هو فوق ذلك سلاح في يد المؤمنين به أفرادا أو جماعات يحميهم ممّا يهدّد وجودهم الروحيّ والمادّي، وبهذا ينكشف البعد الأصليّ للقرآن باعتباره نصّا دينيّا قبل أن يكون نصّا تشريعيّا أو أخلاقيّا أو أدبيّا أو تاريخيّا.
3. فضل القرآن على قارئه:
تندرج تحت هذا الصنف طائفة من الأحاديث تتعلّق في مجملها بمن يقرأ القرآن ويقرئه لغيره، ويعرض البخاري من خلالها إلى ما يجب على القارئ والمقرئ التزامه من الآداب لتكون قراءته محمودة سواء تعلّق الأمر بالقارئ نفسه أو بمن جلس إليه ليسمع ما يتلوه من القرآن. وقد كانت هذه الأحاديث في جملتها مقدّمة لنشأة ما بات يعرف بآداب التلاوة وما فيها من قواعد فنّية اجتهد المقرئون في بلورتها على مرّ التاريخ. وما يعنينا من هذه الأحاديث تحديدا ما تتضمّنه من شروط إذا ما التزم بها قارئ القرآن واستوفاها تهيّأت له ولمن حوله من السامعين أحوال العبادة، فالقرآن بهذه الشروط كلام يتعبّد به الناس ربّهم ولابدّ للتعبّد من طقوس تظهر خاصّة في أزمان القراءة وكيفيّاتها وما يرافقها من مشاعر وأحاسيس.
أمّا زمن القراءة فقد أشار إليه الحديثان 5025 و 5026 بلفظين متشابهين، إذ جاء في الحديث الأوّل قوله "لا حسد إلاّ على اثنتين رجل أتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدّق به آناء الليل والنهار" وجاء في الحديث الثاني قوله " لا حسد إلاّ على اثنتين رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار... ورجل آتاه الله مالا فهو يُهلكه في الحقّ..." والظاهر من النصّين أنّ زمن القراءة يكون ليلا كما يكون نهارا دون مفاضلة بينهما، ولكنّ هذا لا ينفي الفرق بين قراءة الليل وقراءة النهار، فقد عبّر الحديث الأوّل عن القراءة بالقيام وهذا يعني أنّ قراءة الليل جزء فعل تعبّدي آخر وهو الصلاة وهذا هو معنى أن يقوم المؤمن الليل، أمّا الحديث الثاني فعبّر عن القراءة بالتلاوة وهي الجهر بالقراءة خارج أوقات الصلاة سواء كان ذلك ليلا أو نهارا. وبهذا نميّز بين قراءة في سياق القيام وقراءة في سياق التلاوة، فالأولى شرط من شروط الصلاة فرضا أو نافلة، والثانية عمل تعبّدي مستقلّ بذاته يكون ليلا كما يكون نهارا، وهذا هو المقصود أصلا من الحثّ على قراءة القرآن أي على تلاوته بصوت مسموع. وإذا كان النبيّ قد رغّب في ذلك فهذا يعني أنّه دعا أتباعه إلى تلاوة القرآن آناء الليل والنهار خارج الصلاة فتكون التلاوة في حدّ ذاتها عملا تعبّديّا.
ولهذه التلاوة كيفيّات إذ لابدّ أن تكون تغنّيا كما جاء في الحديثين 5023 و5024. ولئن فُسّر لفظ التغنّي تارة بالجهر وتارة بالاستغناء فالأرجح أن يكون المقصود من لفظ التغنيّ في قوله "ما أذن الله لشيء ما إذن للنبيّ أن يتغنّى بالقرآن" بدليل ما جاء في أحاديث أخرى من تفاصيل تثبت أنّ النبيّ كان يمدّ في قراءته مدّا (الحديثان 5045 و5046)، وأنّه كان يقرأ قراءة ليّنة وهو يرجّع (الحديث 5047)، وأنّه قال لبعض أصحابه لمّا سمعه يقرأ القرآن بصوت حسن "لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود" (الحديث 5048). لابدّ في التلاوة إذن من تغنّ أي من صوت حسن فيه مدّ وترجيع، وهذا يعني أن تكون التلاوة جهرا ليسمع القارئ صوته ويُسمعه من حوله، والمستفاد من ذلك كلّه أن التلاوة طقس تعبّدي جماعيّ يقوم أساسا على الإنشاد لما في الإنشاد من تلذّذ وإلاّ فماذا يعني النبيّ من قوله لعليّ بن أبي طالب "إنّي أشتهي أن أسمعه من غيري"؟ (الحديث 5055). شروط في التلاوة تنقل القرآن من كلام صامت بين دفّتين إلى كلام حيّ يُتداول في المجالس ويقرع الأسماع آناء الليل والنهار فينشأ عن ذلك كلّه جوّ احتفالي مفعم بالموسيقى يثير النفوس ويحرّك مشاعرها، وهذا هو معنى أن تكون التلاوة عملا تعبّديّا.
تعيد القراءة بهذا المعنى إلى الأذهان تلك اللحظة الدينيّة الأولى التي كان فيها القرآن كلاما تتعبّد بتلاوته الجماعة، وهي لحظة لا يمكن تخيّلها دون أن نستحضر حلقات الذكر ومجالس الإنشاد الصوفي لما فيها من حضور مكثّف للغناء التعبّدي. وليس هذا في تقديرنا سوى علامة ساطعة على أنّ القرآن كتاب للعبادة قبل أن يكون كتابا للمعرفة، نقول هذا لأنّ التعبّد يشترط في الكلام المتعبّد به أن يكون موقّعا على نحو ما، وأنّ المعرفة تقتضي تدبّرا للمعاني وهذا لا يكون في الأجواء الاحتفالية التي تصنعها التلاوة. ولئن توسّع العلماء المسلمون في تدبّر معاني القرآن فقد أهملوا كون القرآن نصّا يُتعبّد به فضاعت تلك اللحظة الدينيّة الأولى لأنّها لحظة تعاش ولا توصف، وليس لنا أن نستعيدها إلاّ في صور الحياة الدينيّة التي حفظتها حلقات الصوفيّة ومجالس الإنشاد الدينيّ.
استنتاجات:
جمعت متون الحديث النبوي أخبارا متفرّقة تتّصل بالقرآن من قريب أو من بعيد، وهي   أخبار يستفيد منها الباحث معرفة بالقرآن من عدّة وجوه أهمّها أنّ القرآن في أصل تكوينه نصّ يُتعبّد به، وأنّ التعبّد يقتضي طقوسا خاصّة جمعها الحديث النبوي وفصّل القول فيها. وقد وجدنا في القرآن سورا وآيات تعدل جميع سوره لما تضمنّته من معان تدور سائر السور حولها. وهذا يعني أن بعض القرآن يجزي عن بعضه سواء تعلّق الأمر بالعبادة أو بالعلم. لقد كان النبيّ يستخدم القرآن استخداما طلسميّا فجعل بعض آياته رقية بها يعالج ما يصيبه من الأذى، وجعل بعضها حصنا له ولأتباعه من شرّ الشياطين، وجعل البعض الآخر لجلب الخير والطمأنينة.  يضاف إلى ذلك أنّ للقرآن تاريخا أوّله بدء الوحي وآخره ما بين الدفّتين، وأنّ هذا التاريخ يمتدّ من زمن البعثة إلى زمن التدوين، وبين الزمنين مسافة تتقلّص حينا فيكون آخرها وفاة النبيّ، وتمتدّ أحيانا لتبلغ زمن الخليفة الثالث. ولئن فسّر النبيّ لأصحابه ما غمض عليهم من ألفاظ القرآن ومعانيه وهو في الجملة قليل جدّا لمعرفتهم بلسان العرب وأساليبهم في أداء الكلام، فإنّ تفسير القرآن في متون الحديث النبوي لم يتعدّ  حدود الشرح اللغوي وما جاء من أخبار تتعلّق بأسباب النزول ومناسباته، وما ثبت عن النبيّ وصحابته من تفصيل لما جاء مجملا.
avatar
محمد الهادي طاهري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 5
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 27/09/2017
العمر : 54
الموقع : الكاف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل القرآن في صحيح البخاري

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الخميس سبتمبر 28, 2017 9:07 am

حضورك في المنتدى شرف لنا دكتور محمد الهادي...


عدل سابقا من قبل عمر الهرهوري في الخميس سبتمبر 28, 2017 9:33 am عدل 1 مرات
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل القرآن في صحيح البخاري

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الخميس سبتمبر 28, 2017 9:18 am

تعريفك بصحيح البخاري وبفضله على حفظ السّنن، لا يقبل تحفّظا...
أنا أستسمحك في تعقيب أصولي بالأساس، يذكّر بالحوار بين القرآنيين ومن عرفوا قديما وحديثا بالمحدّثين...
وللأمانة هذا حوار وتدافع عريق في ثقافتنا، يسبق عصر التّدوين أصلا.
هل نستطيع حقا فتح مجالات بكر أمام الثّقافة الاسلامية إذا اعتمدنا ذات الأصول التي أصّلها الشّافعي في الرسالة وفي الأمّ ؟
هل حقّا أنّ السنّة هي الأصل الثاني في كل شيء؟
أليس من المجازفة المحمودة نفخ الرّوح في الصّوت الاعتزالي الذي أسكت منذ عشرة قرون؟
أليس العقل الموحّد قادرا على أن يضطلع بذات الأدوار التّأسيسيّة التي أسندت للحديث وللمحدّثين ؟
أليس صحيح البخاري ؟ كما مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ، كما مسند الامام جعفر الصّادق ... كتب حديث لأحزاب فرحة بما حازت...
أسئلة أريدها أن توجّه اهتمام قرّائنا إلى مقولتي النّسبيّة في التّراث، وقداسة صوت العقل الفاتح للأفاق...
شكرا لحضورك المتميّز.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل القرآن في صحيح البخاري

مُساهمة من طرف محمد الهادي طاهري في الخميس سبتمبر 28, 2017 4:34 pm

لا شكّ في أن متون الحديث النبوي قد صُنّفت في أزمنة بعيدة نسبيا عن حياة الرسول، ولا شكّ في أن المصنفين في هذا الباب قد صنّفوا لدواع إيديولوجية وسياسية ولدواع معرفية أيضا. كلّ هذا يستدعي قراءة نقدية لهذا التراث بالكشف عن الخلفيات النظرية والسياسية التي وجهت أعمالهم. والنص الذي نشرته بالأمس لا يعالج هذه المشكلة بقدر ما يبحث عن تمثّلات المحدّثين للنص القرآني في سياقهم.
avatar
محمد الهادي طاهري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 5
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 27/09/2017
العمر : 54
الموقع : الكاف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل القرآن في صحيح البخاري

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الجمعة سبتمبر 29, 2017 6:52 am

شدني في نصك هذا التاسيس النقدي المنهجي لعلم القرأن تاسيسيا يغاير ما تعلمناه من المدرسة الكلاسيكية التي تزعمها القرطبي والزركشي والزركلي والباقلاني وغيرهم...
نصك ينوع المقاربات، ويعدد زوايا النظر ويتسلح بأثرى ما في اللسانيات والمنهج التاريخي من آليات الاخصاب والانتاج...
قد علمنا منك ذلك...
وتعلمنا منه ...
غير أن توظيفه للأحاديث هو الذي استحثنا على تأصيل الدراسة في اتجاه يسائل الفكر الاسلامي عن قابليته للجديد وللتجديد اذا واصل الاستناد الى السنن...
وتعليقي تفاعل مع موجات ايحائية حفل بها نصك...
اكتب د. ففي قلمك تميز... وفي رؤيتك جدة...
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى