الضّيــــــــــــــاء

السقيفة: أولوية الاستقرار على التأسيس للتداول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السقيفة: أولوية الاستقرار على التأسيس للتداول

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الخميس سبتمبر 28, 2017 9:05 am

السقيفة: أولوية الاستقرار على التأسيس للتداول

مثّلت دعوة الإسلام في الطّور المكي مرحلة تأسيس الاعتقاد الموحّد، الذي حرر عقل الإنسان من وهم عبادة من ليس جديرا بالعبادة من جماد وإنسان وحيوان... وحرّر روحه من الجمود والقلق الميتافيزيقي، وجسده من الاضطهاد، وكرامته من الانتهاك ومجتمعه من التظالم، ومهّد الطّريق لحفظ حقوقه الاجتماعيّة والماليّة من الغبن والنّهب والغصب... بشعر التوّحيد (قل هو الله أحد).

كما مثل الطور المدني التأسيس للتمدن والتعايش ومأسسة الأنظمة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والعلاقات الدّولية في حال السّلم وفي حال الحرب كذلك، كما مثّل الطّر المدني نقلة نوعيّة في الخطاب القرآني من خطاب يركز أسس الاعتقاد إلى سنّ قواعد المعاملات الخاصّة والعامّة، ومختلف المقاصد والأحكام الضّرورية لذلك، ولم يكن نمط الحكم ومكوناته وتدرجاته مشغلا حيويا، فالنّموذج النبوي الحاضر والفاعل والمسدّد إلهيّا سكت سكوتا قصديّا عن الخوض في تفاصل "الأمر"، ومعناه الحكم، وفوّضه لاجتهادات المسلمين وتواضعاتهم، وذلك من رحمة الله بخلقه إذ لو فصّل القول فيه لصار ذلك ملزما لهم في كل العصور، وللحقهم من ثبت أجهزته ومن رسوخ صلاحياتها ومشمولاته حرج في معاشهم خاصّة.

ولم تتأكد تلك الحاجة التأسيسية في البناء السّياسي للدّولة الإسلامية حديثة العهد بالتشكّل إلا يوم دفنه صلىّ الله عليه وسلم، إذ يذكر المؤرّخون أن سقيفة بني ساعدة قد احتضنت "مجلسا تأسيسيا" مصغرا حضره الأنصار أوّلا، ثم لحق بهم عدوا كما يقول بن هشام، وسائر المحدثين والمؤرّخين الصحابيّان القرشيّان المهاجران أبوبكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لإدراكهما قبل أن ينتهون إلى تسمية من يخلف الرسول صلّى الله عليه وسلّم في تسيير شؤون الدّولة، في حين، تخلّف عنهما علي بن أبي طالب لانشغاله بتجهيزه صلّى الله عليه وسلّم.

وانتهت مداولات "المؤتمر السياسي التّأسيسي" المعقود على عجل إلى تحديد أحد أساسين مدنيين لا نصّ فيهما، ممّا يدلّ على أنّ الدّولة في الإسلام ليس لها خلفيّة تيوقراطيّة خلافا لكل الباحثين الذين ألصقوا بها تلك الخاصيّة، فالأساس الأنصاري الذي عبّر عنه الصحابي سعد بن عبادة رضي الله عنه، قائم على قاعدة التّداول بين المهاجرين والأنصار، بشعار: "منا أمير ومنكم أمير"، بصرف النظر عن الصبغة الإجرائية لهذا التّداول، هل تكون بهيئة حكم مشتركة من الفريقين، أم بالتداول خلال فترات مخصوصة أو زعامة بزعامة، ولم يسعفنا المؤرّخون بما يفيد السعي لإنضاج هذا النّمط الفريد في الحكم، والغريب عن عصره، وعن العصور التي سبقته، في بلاد العرب خاصّة...

والأساس القرشي الذي عبّر عنه الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه "إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش"، وهي أطروحة تستمدّ شرعيّتها من معتاد العرب الذي جعلوا مكة محطة اجتماع آلهتهم، ومركز تجارتهم، وعاصمة شعرهم... ولم تستند هذه الأطروحة نفسها إلى مرجع ديني من قرآن أو سنّة، وحسم عمر بن الخطّاب الخلاف بين الرأيين بالمسارعة بمدّ يده لمبايعة أبي بكر اجتهادا، وتبعه في ذلك الحاضرون، ثم كملت البيعة من الغد في المسجد بحضور المسلمين المقيمين في المدينة، ويذكر بن هشام أنّ أكثر المبايعين سايروا ما حدث في اليوم من "اجتهاد عمري"، ولم يكونوا راضين عن صيغته، وعن توقيته، ثمّ تحوّل تحفّظهم على صنيع عمر إلى عامل تعبئة في ما عرف بعد ذلك بالفتنة الكبرى.

لا نجيز ـ بحال ـ التّشكيك في رجاحة رأي الصدّيق، أو في جدارته بالخلافة، ممّا درج على ألسنة المتطاولين على مقام الصّحبة الطّاهرة، فله فضل الصحبة، والتّبكير بالإسلام، وله أيضا شرف المدح في القرآن "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"، وله أيضا رجاحة التفكير الاستراتيجي الذي جعله يجزم بأنّ العرب لم تألف في فكرها السياسي إلا الانقياد لبيت العزّ والشرف في قريش، كامتداد لمسكها بعصب تجارة "الشّتاء والصّيف"، وبعصب العبادة المتمركز في مكّة، ولعلّ ما عرف في التّاريخ الإسلامي بـ"حروب الردّة" دليل على أن إخضاع القبائل العربيّة لسلطة مركزيّة ليس أمرا متاحا لكلّ زعيم.

وبالتّالي فإنّنا إذا رحلنا بوعينا السّياسي من عصرنا الرّاهن المتشبّع بالمرجعيّة التّاريخية التي تقرأ النصّ أو الحدث في داخل سياقاتاه الحافّة به، والمنتجة له، إلى يوم السّقيفة بالذات، لانتهينا إلى ترجيح اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه، ولالتمسنا بعض عذر لعمر رضي الله عنه في مصادرته لحقّ النّاس في التّشاور، وتداول الأمر في شأن الأطروحتين المتدافعين لدى المؤتمرين، خصوصا إذا علمنا أنّ اجتهاده كاد يفتح على المسلمين فتنة مهلكة، وبابا من أبواب جهنّم، فقد أخرج البخاري في صحيحه، عن ابن عباس في حديث السّقيفة، قال فيه عمر بن الخطاب: (إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها... مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايَع هو ولا الذي بايعَه تغرَّة أن يُقتَلا)، تلك هي حقيقة "المجلس التأسيسي" المصغّر في سياقه التاريخي منظورا إليه من داخل.

أمّا إذا نظرنا إليه من زاويتنا الثّقافية الرّاهنة والمحتفلة بالثّقافية الحقوقيّة، والمستندة إلى كمّ هائل من التّجارب التّشاركيّة والديموقراطيّة في الحكم، لنرى البعد الآخر للحوار في السّقيفة وتداعياته على المؤسّسة السيّاسية الإسلاميّة، ونحدد كيف مهّدت تلك الأرضيّة "البريئة"- لاحقا- للقرشي معاوية بن أبي سفيان ليقلب الخلافة "ملكا عضوضا"، حسب تعبير بن خلدون، ويستأثر بها لنفسه ولذويه سطوا وقهرا، نقرّ- بداهة- أن أبا بكر كان أعرف بعصره، وأنّ سعد بن عبادة كان أعرف بعمق الخطاب الشّوري في الاسلام، وأوضح في التّأسيس لسنّة التّداول السلمي على السلطة الأصيل في خطاب القرآن، وفي سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وممّا يعزّز لدينا هذه المقاربة أن الأدبيات الإباضيّة مثلا قد أنضجت مشروع الامامة في خطاباتها على قاعدة "تولية الأجدر:، وطبّقوا ذلك في فترات تاريخية متقطّعة، وبصيغ تحتاج بدورها إلى مراجعات لإنضاجها في ضوء الفتوحات المعرفية المعاصرة، كما أن شرط القرشيّة في حاكم المسلمين لا يقنع إلا الماوردي صاحب الأحكام السّلطانيّة ومن كان في سذاجته التّاريخية، والمسلمون اليوم لا يعرفون قرشيّا ـ خالص النّسب وتامّ الرّجولة ـ حتى يولّوه أمرهم، يستوي في ذلك سنّتهم وشيعتهم الذين فقدوا خيط الاتصال بإمامهم الثّاني عشر في سرداب قرب البصرة أو الكوفة، وعلى فرض وجوده بيننا، هل يستطيع أن يحقّق إجماعا إسلاميا عليه وعلى سلطته من جاكرتا إلى مراكش؟

وإذا دعونا تراثنا إلى أن يتفاعل مع وعينا الحضاري الرّاهن يظهر لنا المشهد السياسي في السقيفة ـ من زاوية نقديّة ـ انقلابا استأثرت فيه الفئة القرشيّة بالإرث السّياسي للنبوّة، رغم أنّ الأنبياء لا يورثون كما جاء في السّنة الشّريفة، ويبدو لنا الموقف العمري سلوك انقلابيين يصادرون حقّ المحكومين في إسناد أصواتهم لمن يرونه أجدر بتقلّد شأنهم العام، كما يظهر الموقف ابن أبي قحافة، استقواء بقيم الجاهلية ونسيجها العلائقي، وجهازها المفاهيمي، على المنظومة الشّورية التي أجهضت مضغة تخلقها يوم السّقيفة، ثم تتالت الأداب السلطانية لتشكّل غطاء أيديولوجيا للانقلاب العمري على الشورى.

وهذا يقودنا أيضا إلى فهم جذور النّمط الاستبدادي الذي صار للاسلام ولدوله المتعاقبة كالعلم، او كالرديف البارع في تمثّل الحمولات والماصدقات الرّاجعة إليه، وجعل "فقهاءنا" يدعون على مبايعة من استوى علينا بالغلبة والقهر، ولمن ورثنا من أبيه، أو من أخيه إرث المتاع والدّواب، وكلّها مواقف فقهيّة تستمدّ شرعيّة غصبها من مشهد السقيفة، رغم أن الأمّة لم يغب من كتابها النّهج الشوري المحكم، البيّن، الظاهر، السّاطع: "وأمرهم شورى بينهم" ..." وشاورهم في الامر" "يا أيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون..."

إنّ دعوة الحاكم إلى أن لا يتولّى أمرنا إلاّ بعد أن يسمع رأينا فيه، وفي أهليّته، وفي برنامجه السّياسي... وأن يعتزل أو يقبل العزل منه إذا خالف ما بيننا وبينه من عهد، تجسيدا لمشروع سياسي قرآني أجّله الصّوت القرشي المحتكم إلى عرف الجاهليّة من سقيفة بني ساعدة إلى عصرنا الحالي... وفي كلّ عصر نزعة قرشيّة تصاغ بصيغ مختلفة، وتلتف على الصّوت الأنصاري التّشاوري الوفي لروح القرآن ولمنهجه.




[/size]
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى