الضّيــــــــــــــاء

النص القرآني في التلقي الكلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النص القرآني في التلقي الكلامي

مُساهمة من طرف محمد الهادي طاهري في الخميس أكتوبر 05, 2017 9:02 pm

القرآن في التلقّي الكلامي
تمهيد:
ليس التفكير في القرآن كالتفكير به. فأن يكون القرآن موضوع تفكير هو أن ينظر العقلاء فيه ليستنبطوا منه حكما من أحكام الشريعة في ما يطرأ من حوادث الأيّام، وهذا شغل الفقهاء وعلماء أصول الفقه خاصّة، أو أن ينظروا فيه لاستخلاص عبرة أو موعظة كما كان يفعل الزهّاد والوعّاظ، أو أن ينكبّ عليه اللغويّون لشرح ما فيه من غريب الألفاظ وأن يتأمّل فيه البلاغيّون لبيان ما فيه من وجوه البيان والفصاحة، أو أن يتعقّب المفسّرون سوره وآياته لبيان المراد منها وبسط القول فيها لمن تعذّر عليه الفهم.
أمّا أن يكون القرآن أداة تفكير فهو أن يستعمله العقل حجّة لدعم فكرة أو مقالة أو للردّ على مذهب يُعتقد أنّه مخالف للصواب. ومن أشهر من فكّر بالقرآن واستعمله وسيلة للدفاع عن رأي يراه أو لدحض مذهب لا يؤمن به علماء الكلام. فقد عُرفت هذه الفئة من حملة العلم في الإسلام أكثر من غيرها بتوظيف القرآن وجعله حجّة للدعم حينا وللدحض أحيانا.
وقد لخّص أبو الفضائل أحمد بن محمّد بن المظفّر بن المختار الرازي الحنفي(توفّي بعد 630 للهجرة) في كتابه "حجج القرآن" ما ذهب إليه أصحاب الفرق من مذاهب في العقيدة خاصّة، ورصد حججهم من القرآن، ورتّبها ترتيبا يراعي مسائل الكلام بفرعيها الجليل والدقيق. ولئن بدا الكتاب في ظاهره لا يعدو أن يكون تخريجا لما جاء في مصنّفات المتكلّمين من شواهد قرآنيّة، فقد رأينا فيه جهدا كبيرا ينمّ عن معرفة واسعة بمذاهب المتكلّمين من جهة، وبطريقتهم في التعامل مع القرآن من جهة أخرى. فقد كان فهم القرآن في نظره السبب الرئيسيّ في اختلاف المسلمين لما تضمّنه من أدلّة متعارضة جعلت المسلمين يتفرّقون مذاهب شتّى، بل إنّه يعتقد "أنّ هذه الأدلّة ما تعارضت إلاّ ليقضي الله أمرا كان مفعولا".
ولم يكن أبو الفضائل يهدف إلى شرح مقالات المتكلّمين والتوسّع فيها لبيان ما فيها من الصواب أو الخطأ، بل كان يهدف إلى الكشف عمّا في القرآن من أدلّة متعارضة كانت بعد ذلك مدخلا لتفرّق المسلمين وما تبعه من صدامات وحروب وفتن على امتداد القرون. ومن هذه النقطة تحديدا رأينا أن نبحث في ما سمّاه أبو الفضائل حجج القرآن لنستكشف منطق التضادّ في بنية النص القرآني المفهوميّة.
ولئن كان الأصوليّون قد اجتهدوا في بناء منهج لتجاوز ما يسمّونه تعارض الأدلّة في نصوص القرآن والسنّة ، فقد كان أبو الفضائل يفكّر في هذه المسألة من زاوية أخرى، فهو لا يرمي إلى التماس مخرج يخلّص العقل من مأزق التعارض بقدر ما يرمي إلى إنشاء وعي مختلف بهذه البنية المنطقيّة القائمة في الأصل على التعارض والتضادّ. ويظهر ذلك خاصّة عند حديثه عن أصحاب الفرق وكيف كان لكلّ طائفة منهم علماء نحارير فضلاء، وكيف كان كلّ واحد منهم يؤوّل دليل صاحبه على حسب عقيدته ويعتقد "أنّه هو المحقّ السعيد وأنّ مخالفه في ضلال بعيد".
لقد رتّب أبو الفضائل كتابه ترتيبن مختلفين، ترتيبا خارجيّا يقوم على ما بين الفرق الإسلاميّة من تضادّ ثنائيّ كالجبريّة التي تضادّ القدريّة، والشيعة التي تضادّ الخوارج، والمرجئة التي تضادّ الوعيديّة، وترتيبا داخليّا يقوم على تتبّع مسائل الكلام وفق منازلها في مقالات المتكلّمين، فيعرض في البدء مسائل الكلام الجليل ويعرض بعد ذلك مسائل الكلام الدقيق. وعلى هذا الترتيب الثاني سنعمل لأنّه يبرز أكثر من غيره بنية النص القرآني المنطقيّة وما يكمن في أعماقها من تضادّ. وإذا كان أبو الفضائل قد توقّف عند حدود الكشف عن التضاد والتعارض بين الأدلّة، فلا بدّ لنا من تتبّع أصول هذا التضاد وفهم دلالاته وأبعاده لعلّ ذلك يمهّد السبيل لمعرفة أدقّ بخصوصيّات الخطاب القرآنيّ خاصّة والخطاب الدينيّ عامّة.
1. الجبر والاختيار:
رصد أبو الفضائل مائة وعشرين آية من آيات القرآن استدلّ بها أصحاب القدر ليثبتوا أنّ الإنسان مُخيّر في ما يأتيه من الأفعال ولينفوا عن الله أن يكون خالقا للظلم والشرّ. ورصد في المقابل مائتي آية استدلّ بها الجبريّة ليثبتوا أنّ كلّ ما يأتيه العبد من أفعال هو من عند الله بما في ذلك أفعال القبح والشرّ. وقد ترتّب عن هذا الخلاف العميق بين القدريّة والجبريّة خلافات فرعيّة تتعلّق كلّها بمبدأي الجبر والاختيار، فقالت الجبريّة إنّ الإرادة كلّها لله وسلبت عن العبد أن يكون مريدا لما يصدر عنه من فعل، وقالت إنّ الهدى والضلال من الله فهو يهدي من يشاء ويُضلّ من يشاء، وأثبتت لله الغواية والإغراء. وذهب القدريّة مذهبا مضادّا فقالوا إنّ للإنسان أفعالا يأتيها باختياره وهو مسؤول عما كسبت يداه، وقالوا إن إرادة الله لا تكون إلاّ خيرا ورحمة بالعباد ونفت عنه أن يريد الظلم والشرّ وأثبتوا للشيطان الغواية والإغراء فهو الذي يزيّن للناس القبح والشرّ وهو الذي يدفعهم إلى ذلك.
مذهبان في العقيدة متضادّان، ولكلّ مذهب منهما نصوص من القرآن تشهد له وتؤيّد ما يراه. ولا شكّ أن التقارب بين حجج الجبريّة وحجج القدريّة المأخوذة من القرآن (200 لفائدة الجبريّة مقابل 120 لفائدة القدريّة) يجعل عوامّ المسلمين في حيرة من أمرهم، ففي القرآن اعتقادان متجاوران يشير أولهما إلى مذهب الجبر ويشير الآخر إلى مذهب القدر، وهذا ما جعل قارئا معاصرا من غير العوامّ يبني فهمه لله والكون والإنسان في القرآن على مذهب الجبريّة، متغافلا عمّا في القرآن من آيات كثيرة تضاهي في العدد تلك الآيات الدالة على عقيدة الجبريّة.
وممّا يزيد الأمر تعقيدا أنّ هذه الآيات وتلك متفرّقة في سور القرآن، فقد أحصى أبو الفضائل آيات المشيئة التي استدلّ بها الجبريّة فوجدها في خمس وعشرين آية وهي سورة البقرة الآية 253 وسورة الأعراف الآيتان 89 و188 وسورة المائدة الآية 48 وسورة الأنعام الآيات 35 و80 و111 و112 و137و 149، وسورة النحل الآيتان 9 و93، وسورة الشورى الآيتان 8 و24 وسورة يونس الآيات 16 و49 و99، وسورة هود الآية 118، وسورة الرعد الآية 31، وسورة السجدة الآية 13، وسورة الشعراء الآية 4، وسورة الحديد الآية 29، وسورة المدثّر الآية 56 وسورة الإنسان الآية 30، وسورة التكوير الآية 29.
وحين ترد هذه الآيات في القرآن على هذا النحو يكون الاعتقاد الجبريّ مبثوثا في القرآن كلّه تقريبا، وهذا يعني أوّلا أنّ القرآن ظلّ على امتداد فترة الوحي يردّد هذا المعتقد دون أن يجري عليه تغييرا أو تعديلا، ويعني ثانيا أنّ من جمع القرآن من صدور القرّاء وعرضه على كتبة الوحي لتدوينه في مصحف واحد لم يجر تعديلا في الاعتقاد الجبري رغم علمه بوجود عدد هائل من الآيات التي تعارضه وهي التي استدلّ بها أصحاب القدر، وهي بدورها مبثوثة في مختلف السور ولم يطرأ عليها أيّ تعديل.
ولئن اعترف المؤرّخون الجدد بغياب ترتيب زمني دقيق لما نزل من الوحي واجتهدوا في ترتيب سور القرآن حسب نزولها، فإنّ هذا الذي جاؤوا به لا يساعد على حلّ هذه الإشكاليّة لأنّ الاعتقاد الجبري منساب في نصّ القرآن سواء راعينا ترتيب السور في المصحف أو ترتيبها في الزمن. وسيزداد الأمر تعقيدا إذا ما فكّرنا في الوقت نفسه في تلك الآيات التي تؤسّس لاعتقاد قدريّ، فهذا الاعتقاد الثاني منساب هو أيضا في الزمان وفي المكان. صحيح أنّ التورخة كما يقول هشام جعيط تساعد على فهم معاني القرآن وتطوّرها كما تساعد على فهم فعاليّات الدعوة وكيف تمّ تقبّلها، ولكنّها لا تساعدنا على فهم ما بين الاعتقادين الجبريّ والقدريّ من تجاور في بنية النص القرآني رغم أنّهما على طرفي نقيض. وغاية ما يمكن أن نقوله هنا هو أن القرآن يلتبس فيه الاعتقاد الجبري بالاعتقاد القدري، وهو نصّ ينبني منطقيّا على الجمع بين معان متضادّة تتعلّق بالإنسان ومنزلته في الكون كما تتعلّق بالله ومنزلته في الطبيعة والتاريخ. لقد بدا الله من خلال الاعتقاد الجبري ممسكا بالإنسان يقلّبه كيفما شاء، فإن شاء هداه وإن شاء أغواه وأغراه، وإن شاء يسّره لليسرى وإن شاء يسّره للعسرى، ولكن الله نفسه في الاعتقاد القدري بريء ممّا يقترفه الناس في حياتهم من آثام وشرور، وهو لا يهدي إلاّ إلى سواء السبيل، والإنسان له ما كسب وعليه ما اكتسب. هكذا نكون إزاء نصّ تتجاور فيه الأضداد على نحو غير مفهوم وتتزاحم فيه الاعتقادات المتعارضة على نحو محيّر ومربك حتّى أنّ المؤمنين به وجدوا أنفسهم بعد غياب النبيّ عنهم فرقا شتّى يكفّر بعضها البعض الآخر. هل نقول هو نصّ يزرع للفتنة أصولا؟ نعم هو كذلك إلى أن يجد العقل المفتون بالانسجام والتماثل والتجانس والخائف أبدا من التناقض مخرجا له من مبدأ عدم التناقض.
2. الإرجاء والوعيد:
تمثّل ثنائيّة الإرجاء والوعيد علامة أخرى من علامات بنية النص القرآني المنطقيّة القائمة على التضادّ، وقد أحصى أبو الفضائل تسعا وستّين آية استدلّ بها المرجئة على مذهبهم في مرتكب الكبيرة، وأحصى في المقابل سبعا وأربعين آية استدلّ بها القائلون بالوعيد على مذهبهم في المسألة نفسها. وقد ذهبت المرجئة استنادا إلى حجج القرآن إلى اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا لا يجوز تكفيره ويستحقّ المغفرة من الله كما يستحقّ رحمته وجنّته التي وعد بها المؤمنين، وهو في مذهبهم لا يستحقّ الوعيد بخلاف الكافر. وذهبت الوعيديّة مذهبا مضادّا لمذهب المرجئة واستدلّت بآيات كثيرة من القرآن على أنّ مرتكب الكبيرة لا يمكن أن يكون مؤمنا ويستحقّ الوعيد الذي توعّد به الله الكافرين ويحقّ عليه أن يكون في النار أبدا.
وكما كان الاعتقاد الجبري والاعتقاد القدري اعتقادين منسابين في النصّ القرآني لا يختصّ واحد منهما بمرحلة من مراحل الوحي دون أخرى ولا مجال للحديث عن تدرّج من اعتقاد إلى آخر، فقد كان اعتقاد الإرجاء واعتقاد الوعيد في مرتكب الكبيرة اعتقادين مبثوثين في مختلف مراحل الوحي. ولتوضيح هذا التشابك بين الاعتقادين في صلب القرآن يكفي أن نشير إلى أنّ الآيات التي احتجّ بها المرجئة وردت في سور مكّية ومدنيّة كثيرة كالبقرة وآل عمران والأنعام والنساء وغافر والشورى والأحزاب والتوبة والحجرات، وأنّ الآيات التي احتجّ بها الوعيديّة وردت بدورها في سور مكيّة ومدنيّة متفرّقة كالبقرة والمائدة والنساء والأعراف ويوسف والنحل والأحزاب والممتحنة...
تشابك من شأنه أن يجعل التضادّ بين الاعتقادين في صميم النص القرآني، ولا يمكن أن نردّه إلى منطق التدرّج الذي فسّر به الفقهاء التعارض بين بعض الأحكام الشرعية وما فيها من التحليل والتحريم. لقد وجد الفقهاء في الناسخ والمنسوخ ما يساعدهم على رفع التناقض بين بعض الأحكام وعلّلوا ذلك بما يسمّونه المصالح، إذ كان المشرّع في تقديرهم يراعي مصلحة المكلّفين لذلك كانت بعض الأحكام قد نسخت وحلّت محلّها أحكام جديدة مثل النهي عن المسكرات عند الصلاة أوّلا ثمّ الحكم بتحريمها بعد ذلك. أمّا التضادّ الحاصل في الاعتقادات فلا يمكن لمبدأ النسخ أن يفكّه لأنّه كما قلنا تضادّ بنيويّ يكمن في صميم النصّ وفي نسيجه الدلالي.
وقد ترتّب عن هذا التضاد البنيويّ أن تفرّق المسلمون أيّام الفتنة الكبرى واختلفوا في مرتكب الكبيرة كأن يقتل المسلم أخاه المسلم أو أن يستبيح ماله وعرضه، وثار الجدل حول الحدّ الفاصل بين الإيمان والكفر وطرحت مسائل ثانويّة كثيرة في سياق هذا الجدل فميّز البعض بين الإيمان والإسلام، واشترط البعض في الإيمان العقد والقول والعمل، ورأى آخرون التصريح بالشهادتين كافيا ليكون المؤمن مؤمنا وإن لم يعتقد ذلك بينه وبين نفسه. وانتهى الجدل إلى حروب وصراعات ذهب ضحيّتها خلق كثير، ولكل فريق حجّته من القرآن ومن صحيح الحديث النبوي أيضا.
مرّة أخرى نجد أنفسنا أمام نصّ يقول الشيء ونقيضه، ويرسّخ في أذهان المؤمنين ضروبا من الاعتقادات المتنافرة لا يمكن أن تجتمع في قلب واحد. نقول هذا لأنّ أغلب الآيات التي احتجّ بها المرجئة أو التي احتج بها الوعيديّة صريحة لا تحتمل التأويل إلاّ النادر منها، وكذلك الشأن في الآيات التي احتجّ بها الجبريّة أو الآيات التي احتجّ بها القدريّة. وهي في الغالب نصوص صريحة ومعانيها في ظواهر ألفاظها، وهذا يعني أنّ الاختلاف بين المسلمين لم ينشأ عن تباين في الفهم والتأويل بل نشأ عن اختلاف أصليّ بين آيات القرآن. يضاف إلى ذلك أنّ ما يسمّيه الفقهاء تعارضا بين الأدلّة عادة ما يكون لاختلاف في تقدير العلّة التي أوجبت الحكم، أو لاختلاف في طبيعة العمل إن كان مندوبا أو واجبا، أو لاختلاف في تقدير اللفظ والمراد منه فقد يكون عامّا والمراد منه عامّا عند البعض خاصّا عند البعض الآخر، وقد يكون خاصّا والمراد منه خاصّا عند فريق عامّا عند فريق آخر...
وإذا ثبت أنّ هذه الاعتقادات المتضادّة التي اعتقدها المسلمون فانقسموا وتفرّقوا ليست ناجمة عن اختلاف في الفهم والتأويل، وأنّها موجودة أصلا في صلب القرآن قبل ظهور الفرق والمذاهب، وأنّها ظاهرة بيّنة لا تحتاج إلى جهد عقلي كبير لتبيّن معانيها، وأنّ التضادّ بينها لم يكن نتيجة نسخ أو نتيجة تدرّج في إرساء منظومة العقائد القرآنية كما هو الشأن في التدرج في إرساء منظومة الشرائع القرآنيّة، فلم يبق إلاّ أن نعتبرها سمة جوهريّة من سمات البنية المنطقيّة التي انبنى عليها القرآن باعتباره خطابا دينيّا، ولنجازف أكثر نقول إنّ الميزة الأساسيّة التي يختصّ بها الخطاب الديني هي أنّه خطاب متعدّد اللغات، متعدّد الأشكال، متعدّد الرؤى والمفاهيم. وليس التعدّد فيه ناتجا عن لغة إيحائيّة تحتمل المعنى وخلافه أو نقيضه فحسب، بل هو ناتج قبل ذلك عن اجتماع أشكال من التعبير المتنافرة وعن تشابك سلسلة من المفاهيم والرؤى. وباختصار ليس التعدّد في معاني الخطاب الدينيّ نتيجة غموض وإبهام وإيحاء فحسب بل هو نتيجة خلط بين المفاهيم والتصوّرات أيضا.

3. التشبيه والتنزيه:
خلافا للاعتقادات السابقة، يبدو هذان الاعتقادان ناجمين عمّا في اللغة القرآنيّة من ضروب المجاز. وقد توقّف المتكلّمون والمفسّرون طويلا عند ألفاظ العرش والفوق والوجه واليد، فحُملت عند البعض على المجاز وعند البعض الآخر على الحقيقة، ونتج عن ذلك أن ذهب فريق إلى التشبيه والتجسيم أحيانا فتصوّروا الله في صورة الإنسان حينا وفي صورة من له وجه ويدان وعرش عليه يستوي وقالوا كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول، وذهب آخرون إلى التنزيه فأثبتوا لله صفات الحياة والعلم والإرادة ونفوا عنه سائر الصفات المادّية. ولكلّ فريق منهما حجج من القرآن، فقد استدلّ أصحاب التشبيه بإحدى وثلاثين آية، عشر آيات منها تضمّنت لفظ الوجه مضافا إلى الله، وفي عشر آيات أخرى لفظ اليد مفردا ومثنّى وجمعا، وفي خمس آيات أضيف لفظ العين لله، وفي ستّ آيات أخرى أضيفت لله صفات حسّية غير اليد والوجه والعين. كما استدلّوا بإحدى وخمسين آية أخرى، سبع منها في الاستواء على العرش، وثلاثين في جهات شتّى مثل السماء وفوق وعند وإلى. مقابل ذلك استدلّ أصحاب التنزيه بثلاث وعشرين آية تنفي عن الله أن يكون كمثله شيء، ثلاث منها في نفي الجهة، وخمس في تأويل قرب الله من عباده على أنّه قرب ذاتيّ...
ومن المعلوم أنّ النصوص التي استدلّ بها الصفاتيّة على مذهبهم قد جعلتهم عرضة لحملات انتقاد واسعة حتّى اتّهموا في الكثير من الأحيان بالكفر حينا وبالجهل أحيانا، فقد تجنّد عدد غير قليل من علماء المسلمين لتنزيه الله عن كلّ تشبيه فتناولوا هذه النصوص بالتأويل وكشفوا عمّا في ألفاظها من ضروب المجاز. ولا نبالغ إن قلنا إنّ مدار التأويل الأوّل في الإسلام كان حول هذه النصوص تحديدا.
رغم ذلك، في القرآن أكثر من ثمانين آية تحتمل معنى التشبيه ويجوز أن يفهم منها ما فهمه الصفاتيّة، ولا أدلّ على ذلك من توقّف عالم في منزلة الإمام مالك في هذه المسألة فلم يجزم فيها برأي صريح واكتفى بأن أمر أصحابه بترك البدع، فلمّا سئل عن البدع قال" أهل البدع الذين يتكلّمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون بإحسان". وفي القرآن أيضا أزيد من عشرين آية تنفي التشبيه نفيا صريحا. وحين يجتمع في كتاب واحد، يدعو إلى إله واحد ويقاوم الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، كمّ من النصوص المتضادّة في لغة تحتمل المعنى الظاهر كما تحتمل معنى آخر غير ظاهر يستفاد بالتأويل، نكون إزاء خطاب مربك. نقول هذا لأنّ موضوع هذه الآيات تحديدا يستوجب انفصالا تامّا عن المخيال الديني الوثنيّ وتأسيسا لمخيال دينيّ بديل يكون فيه لله في أذهان الناس وجود مختلف عن وجوده في المخيال الوثنيّ. أمّا أن يستمرّ القرآن في الحديث عن الله بذلك الأسلوب وما يحتمله من معاني التشبيه فهذا يعني أن اعتقادا قديما بات يعبّر عن نفسه بصيغة أخرى. بل إن كثافة الآيات التي تحتمل عقيدة التشبيه مقابل عدد قليل من الآيات التي توجب عقيدة التنزيه يجعلنا نميل إلى اعتبار هذين الاعتقادين المتضادّين في القرآن علامة أخرى على أنّ القرآن نصّ تتشابك فيه الرؤى والمفاهيم ويختلط بعضها ببعض على نحو ما بيّناه سابقا.
4. الحدوث والقدم:
تتّصل هذه الثنائيّة الضدّية الأخيرة بالقرآن نفسه، فقد أحصى أبو الفضائل خمسا وعشرينا آية يستفاد منها أنّ كلام الله أصوات وحروف وأنّ المسموع منه هو عينه، وأنّ هذا الكلام، والقرآن منه، قديم غير مخلوق. وأحصى في المقابل أربع عشرة آية يستفاد منها أنّ القرآن مخلوق وأنّه حادث ويطرأ عليه التبدّل لأنّ الله جعله قرآنا عربيّا بعد أن لم يكن كذلك، كما يستفاد من ظاهر بعض الآيات أنّ القرآن قول رسول كريم وما هو بقول شاعر كما جاء في الآية الأربعين من سورة الحاقّة، وأنّه قول رسول كريم ذي قوّة عند ذي العرش مكين كما جاء في سورة التكوير. وبحضور هاتين المقالتين المتضادّتين في القرآن يتأكّد أنّه خطاب يشرّع لما يسمّيه البعض تفكيرا ازدواجيّا (double pensée) وهو نمط من التفكير يفرض على أصحابه أن يحتفظوا في الوقت نفسه بمعتقدين متناقضين وبمقتضاه يكونون عاجزين تمام العجز عن فكّ الترابط بين تلك المتناقضات.
لقد فتح القرآن المجال لنشوء هذين الاعتقادين المتضادّين في نفوس المسلمين، كما فتحه لنشوء سلسلة طويلة من الثنائيّات العقديّة المتضادّة (الجبر≠ الاختيار، التشبيه≠ التنزيه، الإرجاء ≠ الوعيد، القدم ≠ الحدوث، الخلود ≠ الفناء...) وأنشأ في الأذهان نظام اعتقاد من أهمّ سماته اللعب على المعنى وضدّه، وكان هذا شرطا لازما لبناء جماعة مؤمنة تنقاد إلى زعيمها وتندفع بكلّ قواها نحو ما يُطلب منها ولكنّه كان في الوقت نفسه مدخلا عريضا لنشأة فكر رماديّ تختلط فيه المفاهيم وتتداخل الرؤى وتلتبس فيه المعاني بعضها ببعض، وليس هذا نقيصة أو عيبا لأنّه سمة جوهريّة تميّز الخطاب الدينيّ. إنّ التناقض والانتقال الدائم من النقيض إلى النقيض لبناء مجال دلاليّ ضبابيّ قانون ثابت في الخطاب الديني لأنّ الهدف الأسمى الذي يرمي إليه هو أن يمنع المتلقّي من التفكير في المعنى من جهة واحدة وأن يحمله على العمل.
وبالاستناد إلى ما وُصفت به اللغة الشموليّة أو اللغة الدينيّة في المرجع المشار إليه سابقا، يمكن القول إنّ الخطاب القرآنيّ، باعتباره خطابا دينيّا، يعمل باستمرار على جعل المتلقّي عاجزا تمام العجز عن التفكير بطريقة أخرى غير الطريقة التي يفكّر بها النصّ نفسه، كما يجعله غير قادر على تمثّل أيّ معنى للوجود خارج التناقض الذي يفرضه عليه لأنّ الخطاب الدّيني، ككلّ خطاب يهدف إلى إنتاج قوّة اجتماعيّة فاعلة مثل الخطاب السياسيّ والإيديولوجيّ، لا يتوجّه إلى الإنسان الفرد بل يتوجّه إلى حشود الناس، ولا يخاطب عقول الأفراد بل يخاطب مشاعرهم وعواطفهم، والسبب في ذلك كلّه أنّ الخطاب الدينيّ لا يقصد إلى بناء معرفة بل يقصد إلى حمل الحشود على الإيمان به والانقياد إليه.
استنتاجات:
لم يتوقّف أبو الفضائل عند الثنائيات الضدّية السابقة فقط، بل ذيّلها بطائفة كثيرة من الأضداد الثانوية ليبرز المدى البعيد الذي رمى القرآن فيه بالمسلمين، فقد احتجّ الخوارج بعدد غفير من آيات القرآن لبناء مقالتهم في الإمامة ومقالاتهم في الإيمان والكفر وفي الثواب والعقاب، واحتجّ الشيعة بغير ما احتجّ به الخوارج من القرآن. وكان للقائلين بحجيّة الإجماع في القرآن مستند إليه يستندون كما كان لنفاة الإجماع دليلهم من القرآن. ولئن سكت أبو الفضائل عن حجج القائلين بالقياس وحجج من اعترضوا عليه، فلنا إن شئنا التوسّع أن نرصد حجج هؤلاء وهؤلاء وأن نستخرج من القرآن ما يشهد لهذا الفريق وما يشهد لخصومه في الوقت نفسه، وإذا تجاوزنا حدود الأصول والفروع إلى الأخلاق وجدنا فريقا ينتصر للفقر وقيمه ويحتجّ لذلك بالقرآن، وفريقا ينتصر للغنى والمال وله في القرآن شاهد ويزيد.
إنّ هذه الانقسامات الحادّة بين المسلمين في أصول الدين كما في فروعه، وفي كبريات المسائل كما في صغرياتها، وفي الأخلاق كما في العقيدة، لم تكن في الحقيقة سوى نتيجة مباشرة لتلك التناقضات الصريحة التي تشقّ بنية الخطاب القرآني المنطقيّة. ولئن ذهب الكثير من الباحثين المسلمين في العصر الحديث إلى تعليل ما أصاب المسلمين من تشتّت ووهن بالابتعاد عن القرآن، فقد ذهب أبو الفضائل في مطلع القرن السادس إلى اعتبار ذلك الانقسام وما ترتّب عنه من حروب وفتن وصراعات مستمرّة نتيجة لما في الخطاب القرآنيّ من تعارض الأدلّة، بل إنّ التعارض في تقديره كان لازما ليقضي به الله أمرا كان مفعولا.
هنا تنفتح أمامنا كوّة جديدة نرى من خلالها الأمور على نحو مختلف تماما، فقد قضى الله أن يختلف الناس وأن لا يكونوا أمّة واحدة، وختم رسالاته بالنبيّ محمّد ومعه القرآن المجيد ليكون للناس من بعده دليلا، وقضى أن يكون هذا الدليل حمّال أوجه، محيطا بكلّ شيء أي يحتمل المعنى وخلافه. فهل يكون القرآن تبعا لذلك تقويضا لمنطق الواحد وتأصيلا لمنطق المتعدّد؟ وإذا كان كذلك، فهل كانت الدعوة المحمّديّة دعوة لتقويض منطق الشمول وتأصيلا لمنطق الاختلاف؟
لقد سمح لنا أبو الفضائل بالتفكير في القرآن من زاوية مختلفة حين نبّهنا إلى تلك التناقضات المفهوميّة التي تنتشر في سطوحه فلا يكاد المرء يقف عليها لشدّة ظهورها. وأعاد بكتابه للقرآن ما كاد يغفل عنه العقل لغلبة وعي مسكون بهاجس التوحيد يخشى التناقض كما يخشى الوجودُ العدمَ. وقد حاولنا في مجمل الفقرات السابقة أن ندفع فكرة التعارض بين الأدلّة في القرآن إلى أبعد مدى ممكن لعلّنا نقف على نظام الاعتقاد الذي يبنيه القرآن في الأذهان، وقد تبيّن لنا بتفحّص جملة من الثنائيّات الضدّية أنّ الخطاب القرآني خطاب ذو بنية منطقيّة انقساميّة تأبى أن يكون للوجود معنى لا ينتقض. ولتحقيق هذا الهدف اجتمعت في لغته المتناقضات كلّها وانبنى حقل دلاليّ غائم تختلط فيه المعاني فلا تتمايز في ما بينها. هي لغة تريد لذاتها أن تكون محيطة بكلّ شيء ليكون لكلّ شيء فيها أصل. ولا تعني هذه الإحاطة في اعتقادنا نفيا للتناقض بما فيه من صراع حيويّ، بل هي على العكس من ذلك تماما إحاطة ترمي إلى إقرار التناقض شرطا للمعنى وللوجود على السواء، ولكنّ الجماعات والفرق أرادت لتلك اللغة أن تكون واحدة كما أرادت للمعنى أن يكون واحدا وللحقيقة أن تكون واحدة، فظلّت تقتتل وامتنع المعنى أن يكون واحدا لأنّه في الأصل متعدّد. وامتنعت الحقيقة أن تكون في حوزة دون حوزة لأنّها في الأصل مشاعة، ولكل جمع فيها نصيب.

avatar
محمد الهادي طاهري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 5
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 27/09/2017
العمر : 54
الموقع : الكاف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: النص القرآني في التلقي الكلامي

مُساهمة من طرف عمر الهرهوري في الجمعة أكتوبر 06, 2017 6:50 am

لا يملك من يقرأ مقال د. محمد الهادي طاهري عن التضاد في القران سوى ان يعجب ببراعة الصنعة في توليد الافكار بعضها من بعض، وفي نظمها فرعا من اصل، وفي تشبيكها حتى تغدو كلوحة الفسيفساء التي يمنع جمال انتظامها العام رؤية الحدود الصغيرة الفاصلة بين قطعها...
هذا من حيث اسلوب الكتابة، ومن حيث منطق الاستدلال فيها على المقدمات، وفي ربط المقدّمات بنتائجها، وفي غزارة الشواهد المستنفرة، والمبوّبة حسب الأغراض المناسبة لها...
اما من حيث المضمون فقد استحثمي جمال العرض على محاورته محاورة المشاكس، ولنقل عنها "محاورة تضاد" ـ إن جاز الاصطلاح ـ كتلك التي تجري بين المتعلم، وهو حالي، وبين المعلم وهو مقامه العلمي الجليل، وللرجل سبق العلم والمعرفة، واجد في ادب الرد مسوغي في دعوة علي حرب قراء النّصوص في كتابيه "نقد النص"، و"نقد الحقيقة" إلى أن ينتجوا ما يسميه ابداع الشراح الذين يقرؤون في النص ما لم يقرأ... لأن النصوص الجميلة - من زاوية أسلوبية - في غنى عن شرح الشراح، وعن تفسير المفسّرين، وهي وفق مقاربة بارط تصيد "اللذة" باستدراج القراء واغرائهم واغوائهم حتى يعيشوا معها رعشة القراءة.
اشكالية التفكير في القران او التفكير به:
استسمح د. محمد الهادي الطاهري في أن ندعوه الى ان يلعب في أرضنا قليلا... لأننا إذا لعبنا في أرضه، فلن يدرك وعينا غير ما راه في النص القراني من خلال قراءته لمقاربة أبي الفضائل...
وقبل أن تستوي أقدامنا النّقديّة على أرضنا الأصوليّة المغايرة، نعترف بأن المفسرين والمتكلمين وبعض الفلاسفة كانوا يفكرون في القران... وكان متكلمو الفرق الاسلامية ـ على وجه أخصّ ـ يفكرون بالقران اداة استنفار لما فيه من محكم ومن متشابه لتوظيفه في حلبة التدافع الاجتماعي ذي اللبوس السياسي، وللتحكّم في رقاب النّاس وفي أرزاقهم، كما توسع في ذلك ابو الفضائل ود. محمد الطاهري ناقد نصه، ومقدمه إلينا، وبالتالي فقد حجبت هذه الثنائية زخما عظيما في الثقافة الاسلامية فكر بالقران مشروع تحرر من الضلالات الفكرية، ومعبرا الى رؤية عقلانية للكون وللانسان ولحركة التاريخ... ولنا في المدرسة الرشدية خير تجسيد لهذه القراءة الابستيمولوجية بالقران، البريئة من ضرب القران بعضه ببعض.
لقد أنزل ابن رشد علم الكلام من تيه الغيب إلى تبصرة عالم الشهادة ووعيها العقلاني، وشنع في "الكشف عن مناهج الادلة في عقائد الملة" على المتكلمين، ورماهم بالجهل والضلال، والتطاول بعقولهم الكثيفة على الحق اللطيف، وتوظيفهم ما نسميه باصطلاحنا المعاصر صراع المقدس والمدنس... وعماهم الرمزي عن مبدأ العلل، وارتباط الاسباب بمسبباتها، أو ما سماها "أسبابا داخلية وأسبابا خارجية"، المؤطرة لكل فعل، ولكل حركة بصرف النّظر عن قيمته الأخلاقية أو الدينيّة، وأن التضاد في أذهانهم، وفي قصور نسقهم، وليس في طبيعة النص أو في منطوقه، على معنى التّضاد الذي فهموه تناقضا يعجز العقل عن التأليف بين مكوّنيه، أو بين مكوّناته، وبالأخذ بمبدأي الاسباب الخارجية والأسباب الداخلية تصبح الايات المفهوم منها الجبر معبرة عن ارادة الله، والتي يفهم منها الاختيار دالة على دور الارادة الانسانية.
لقد سرى الطرح الرشدي السّببي الى فلسفة الضرورات، وللانساق الفلسفية الحتمية المعاصرة، فلم تعد الحرية محاولة فصل إرادة الانسان عن إرادة الله، وكأنّ الحريّة إباق عن سياج الرّبوبية، بل تحررا بالمعرفة من الجهل بسلسة الأسباب الماسك بعضها بأعناق بعض، والمقيّدة للحركة وللسّكون، وللكون والفساد بسنن طبيعية عامّة تحيط بكل الموجودات من أعظم جرم فيها إلى أصغر جسيم، ووجد في النص القرآني مسوّغا لهذا التفكير الجديد في القرآن وبه، في قول الله تعالى (يا معشر الجنّ والانسن إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان)، وعدّ السلطان الوعي بسلسلة الأسباب والمسببات. وتعترف فلسفة الضّرورة مع سبينوزا ـ على سبيل المثال ـ بفضل النسق الرشدي على بلورة لاهوت للتحرّر من أسر الضّرورات الطبيعيّة، وتعريف الحرية بأنّها في علاقة عكسيّة مع الجهل بنواميس الطبيعة، وعلامات الاعتراف مبثوثة في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، وفي كتابات من تتلمذ على سبينوزا أو أخذ عنه.
كما أن الخطاب الاصلاحي للشيخ محمد عبد قد سافر إلى الطرح الرشدي ليؤسس بمقولاته لامكانية الاصلاح، والخروج من دائرة التخلف الذي ليس حتما محتوما، وقدرا مقدورا، وفي مبدأ السببية إنعاش للارداة الانسانية، واعتراف بقابليتها للمراجعة والفعل.
إن التّضاد او التعّارض لفظان غير مترادفين تمام التّرادف في اصطلاح اللّغويين، وفي توظيفات المتكلمين، سواء كان حضورهما في نص د. الطاهري بريئا، قد سرى إليه من نصّ أبي الفضائل، أو من صياغته الخاصّة، ولا يتّسع المجال لبسطه وتفصيله في هذا الحوار العابر، ونكتفي منه بالقول إن التضاد اختلاف تنوّع وتمايز، ومغايرة تكامل، وبالتّالي يكون العنصران الذين تربطهما علاقة تضادّ في حالة يكمل أحدهما ما نقص في الطّرف الآخر، ويستكمل منه ما لم يحط به من معنى، وعليه، فكل الكون ثنائيات متضادّة في عالم الجماد وفي عالم النبات وفي عالم الحيوان وفي عالم الانسان وفي المجتمع، وفي التّاريخ...، بحيث يعجز العقل عن تصور الكون وما فيه في حالة سكون تامّ لا حركة فيه، ولا تدافع،في حين أن التعارض فيحيل على معنى التناقض الذي لا يرفع انفصال طرفيه عن بعضهما، واستحالة تكاملهما بضروب البيان والتّأويل والتعليل، ولا يليق هذا الوصف بالقرآن إلا إذا كان أبو الفاضائل ممن لبّس عليهم إبليس كما قال بن الجوزي..
لقد كان في متناول ابي الفضائل تعميق البعد الدرامي في استعراض كل الثنائيات المبرهنة في تقديره على سمة التضاد بان يعود إلى السنن التي فيها ألاف الاحاديث النبوية التي تتسم بدورها بسمة التضاد، دون اكتراث بما يقوله عنها علماء الحديث رواية وعلماء الحديث دراية حول صحتها وحسنها وضعفها... وما هو قائل في التناقض، وليس التضاد، في سورة المسد التي قال فيها القرآن (تبت يدا أبي لهب)، فتناقض التركيب تناقضا لا سبيل إلى المصالحة بين طرفيه إلا بالقول بالتّفويض، أو بعدّه من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، فلم لم يقل القرآن "تبت" بمعنى :"هلكت يدا عبد العزى بن عبد المطلّب" ؟ ولمّ كنّاه القران، والعرب لا تكنّي إلا للتّشريف وتعظيم الشّأن، ولم يكنّ السّابقين في الاسلام، والباذلين فيه بذل الأسخياء؟
ولم تكنيته السورة بالوسامة "أبو لهب"بالذات ؟ في مجتمع أغلب أفراده سمر أو يغلب عليهم سواد لا يعدل اللهب حمرة ونصاعا وإشعاعا وتلؤلؤا... ولو طلب أبو الفضائل غريب التركيب وغريب اللفظ لأغناه ذلك عن سقطات المتكلمين، الذين يمكن تسميتهم بمعجم عصرنا "شعبويين"، لأنهم جعلوا المسائل اللطيفة موضوع حلقهم مع السوقة والرعاع والعوام، متاحة للجادّ وللهازل... ينشدون تعبئتهم سياسيا خلف هذا السياسي أو ذاك.
إن هذه الثنائيات المتضادة بحثها المفسرون والاصوليين تحت عناوين مختلفة مثل "غريب القران"، و"المحكم والمتشابه" و"لطائف القران"و "اعجاز القران"، "المظنون به إلى غير أهله"... وغيرها من المباحث التي كانت تقر بأن عقل الانسان أعجز من أن يحيط فهما بهذا النص المتماثل في الاعيان والمختلف في الاذهان كما يقول المناطقة، ولولا ذلك الاعجاز الذي في نظمه وفي بيانه وفي ألفاظه وفي أحكامه... ما بقي نصا يحاوره أبو الفضائل في القرن السادس، ود. الطاهري في القرن الواحد والعشرين... وسيخلف من بعدهما خلف يضيفون الى حوارهما النقدي فصولا ومحاور إلى أن يعود القرآن الى ربه بكرا كيوم نزل.
إن التفكير في القران لا يستغرقه الطرح الكلامي غير البريء من حرب الوليمة الموعودين إليها ممن ارادوا الغنيمة، ولنا في استنتاج أبي الفضائل في الفقر الأخير من مقال د.الطاهري شاهد على أن التضاد فعل مضمر من صاحب الوحي لتشريع التعدد السياسي قديما وحديثا دليل اصطفاف قصدي من ابي الفضائل خلف من يفكرون بالقرأن لصاحب الغنيمة والوليمة، وليس إعطاء النص القرآني حقه ومستحقّه تلاوة وتأويلا واستنباطا.
مع فائق تقديري د. الطاهري.
avatar
عمر الهرهوري
المدير والمشرف
المدير والمشرف

المساهمات : 73
نقاط : 220
تاريخ التسجيل : 26/09/2017
العمر : 52
الموقع : منتدى منوع

http://adhia.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى